|   

النسخة: الورقية - دولي

وظيف وكنيف ورغيف، هل هذا أقصى ما يتمناه الجزائريون في بلادهم؟ أم هي سياسة يساق إليها الشعب سوقاً بعدما طوّقت السياسة أحلامه وحبست عنه آماله؟

مظاهر الاستعباد في تاريخ البشرية كثيرة، وكلها تروم إلى غاية واحدة، ضمان بقاء السلطة الحاكمة مهما كان الثمن. غاية تحطمت أشرعتها دوماً على صخور القدر، الذي لا يحابي في الحق ولا يجاري.

عندما نتأمل حال الإنسان الجزائري في وطنه، ندرك إلى أي مدى أصبح هذا الإنسان مقهوراً، بعدما انحسرت أمانيه إلا من بيت يؤويه، وعمل يدر عليه مالاً ينفقه على نفسه وعياله، وإن زاد على ذلك طموحاً فمركب وسفر، وهي لعمرك تشبه حياة العجماوات، التي تربّى في الحظائر، وترسل إلى العمل في الحقول، أو تسمّن لتسلخ في المذابح طعاماً للآكلين أو لحماً يباع في الدكاكين.

على كل حال، شعبنا في حال لا يحسد عليها، ولا أدل على ذلك من الواقع، فالجزائر في نظر الأشقاء والأجانب رقم زائد لا صعوبة فيه، ولا فاعلية له، لا في السلم ولا في الحرب، لا في الشرق ولا في الغرب، وماذا عساها فاعلة، والقائمون على شأنها لا همّ لهم سوى التخطيط للبقاء في الحكم، فالقرار بأيديهم لا بيد الشعب، والإعلام بوق ينفخون فيه ما يرغبون، والسلاح ملك للدولة تدخره ليوم ما، كما ادخره النظام في سورية.

لماذا تقدم غيرنا ولماذا تأخرنا؟ الجواب واضح وسهل، وعلى رغم سهولته فإنه يمثل الفارق الأساس بيننا وبينهم. كما أنه على وضوحه يكاد المتسلطون في بلادنا يخفونه عن أنفسهم وعنّا، وبشتى الطرق، الغبية منها والذكية. إنه احترام الشعب في إرادته، وإقامة النفس الحاكمة من هذه الإرادة مقام الخادم الوفي لا السيد الوصي، ذلك هو الفيصل بين الأمم في التقدم والتأخر.

تاريخ الجزائريين لم يبدأ منذ الاحتلال الفــــرنسي لبلادهم كما يشاع، بل هو تاريخ ممتد امـــتداد البشرية، إذ حكم الشعب نفسه بنفسه في حقب متطاولة، ودان لغيره برضا وطواعية أزماناً متتالية، وساد في البر والبحر قروناً عدة، وكان قادته ملء أفواه التاريخ والزمن، إلا في العقود الأخيرة من هذا العصر، عقود لا تحتسب إلا في الزمن الضائع من تاريخ الأمم.

تغيير الحال إلى الأفضل من الممكنات العقلية. وليس الضعف حتمية تاريخية في هذه المرحلة من تاريخنا المعاصر، بل هو خيار مدروس ومخطط له في كل المجالات الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأن الترهل مس كل جوانب الحياة، ولا تكون النتائج شاملة هكذا إلا بمقدمات عامة سبقتها، وأصحاب القرار يدركون هذه الحقيقة جيداً.

لم يتعظوا، على ما يبدو، بما حدث من ثورات هزت عروشاً وأفنت دولاً، بل كان العكس من ذلك هو الواقع، فقد تعلم هؤلاء كيف يئدون الثورات في مهدها، وكيف يستخدمون ما بأيديهم من قوة لتركيع الشعب بلا رحمة، مرة بالسلم ومرة بالحرب، وهو تعلّم سلبي، له تداعيات تاريخية آتية بلا ريب.

وفي مقابل ذلك، أجّل هذا الشعب المقهور الثورة على ما هو سائد من نظم إلى حين، واختار التهدئة على الصدام، لأسباب نفسية وحكمة نابعة من ضميره الجمعي، المتقلب وفق الظروف. بعبارة أوضح، الشعب الجزائري أجّل المعركة الحاسمة إلى أجل غير مسمى، كما كان ديدنه في مقارعة المستعمرين، ومن الغفلة الركون إلى هذه النفسية واعتبارها خياراً أوحد للشعب الجزائري.

ليس أفضل للجميع من العودة الصادقة إلى إرادة الشعب، وهي إرادة تنفع الحاكم والمحكوم في الدارين، ولا أسوأ للجميع من حبسها والتنكر لها على الدوام، والاعتقاد بأن العافية الظاهرة استقرار دائم، ففي هذه الحال الساكنة تكمن الخطورة، لا كما يتوهم الكثيرون، فالبراكين الجبارة تنفجر بعد سكون طويل، مخلفة الدمار في كل مكان. وتلك سنة كونية جُعلت للناس كي يصلحوا حياتهم الفاسدة، ويبعثوها من جديد.

* جامعة بجاية الجزائر

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available