|   

النسخة: الورقية - دولي

أما آن الأوان ليكفّ المسلمون عن استهلاك طاقاتهم وفكرهم في خلافات لا طائل من ورائها؟

إن الذي ينظر بعين فاحصة إلى أوضاع المسلمين في العالم الإسلامي يشعر بحزن عميق، نظراً الى ما يجرى من أمور تؤثر سلباً في مسيرة رقينا وتحضرنا، وعلى خطط التنمية المستدامة، والعمران البشري بوجه عام، فما يحدث الآن في العالم الإسلامي ليس مجرد لغو أو أفعال عبثية، خصوصاً أن له أسبابه الداخلية والخارجية.

ففي داخل المجتمع الإسلامي نرى العصبيات المذهبية والعقلية العرقية، والنتيجة الطبيعية تفكك من الداخل مهّد الطريق للهجوم على الإسلام من الخارج. أضف إلى ذلك إتاحة الفرصة للآخرين ليسيطروا على مقدراتنا، ويتدخلوا في شؤوننا ويهيمنوا على أمورنا.

لقد وعدنا الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) بأننا لن نهزم من خارجنا، وكل ما نخشاه أن يسلط الله علينا أنفسنا فنلين وتضعف عزائمنا. وكل ما نرجوه وندعو به من أعماقنا أن يرحمنا الله تعالى ويقوينا ويعزنا، آملين أن يسود الخير والأمن والسلام البشر جميعاً.

وإذا نظرنا ملياً إلى الصراعات الفكرية الدائرة في ربوع الأمة الإسلامية، نجد أننا في حاجة ملحة إلى وقفة نراجع فيها أنفسنا ونرى كيف يستهلك المسلمون طاقاتهم وفكرهم في صراعات وخلافات لا جدوى منها، ونسأل أنفسنا: ماذا جنى المسلمون من هذه الصراعات؟ ألم يحن الوقت كي يعودوا إلى كتاب الله المجيد، وإلى سنة رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) من خلال رؤية مستنيرة واعية، ومن خلال قراءة فاهمة متأنية تتغلب فيها دعوة الإخاء والتعاون والتسامح، من أجل أن نتخطى الصراعات المذهبية المقيتة التي عانينا منها وما نزال. وكأننا بهذه الصراعات نعود إلى الصراعات التاريخية التي عانى منها الإسلام في أزهى عصوره مع الخوارج ، وأصحاب العقائد الكثيرة التي ظهرت، وكان وراءها الحاقدون والحانقون والمتعصبون، فكانت هذه الملل أو تلك النحل ناراً تحرق، فرقت الجماعة، وأضاعت بذلك النور الذي يجب أن يستقر ويستمر. وكأن التاريخ يعيد نفسه في أيامنا الراهنة.

إن مسؤولية تلاشي هذه الصراعات ملقاة على عاتق حكام وقادة وعلماء ومفكري الأمة الإسلامية وقادتها وعلمائها ومفكريها، فمسؤولية قادة الأمة مسؤولية حتمية مضاعفة لأننا في عصر العلم والمعرفة والتجمع، عصر لا يعترف إلا بالكيانات الكبرى، ولا يعترف بالضعيف أو الخامل أو الكسول، لذلك علينا التلاحم والعمل المخلص، وعلى هؤلاء القادة تبصير الأمة لخير مستقبلها.

لقد كان أبرز ما جنيناه من هذه الخلافات الفكرية والمذهبية انصراف أكثر من دولة إسلامية عن الاستماع إلى صوت الإسلام، فتحولت بعض هذه الدول إلى اتجاهات علمانية لا تجعل للدين ولا لرجاله مكاناً إلا في الاحتفالات الرسمية ، كما أن هذه الصراعات أعطت صورة مشوهة عن الإسلام والمسلمين على الصعيد العالمي، وهذا يتطلب منا أيضاً الرد على هذه الحملات التي تحاول النيل من الإسلام وتشويه صورته. هذا الرد يجب أن يمتاز بالهدوء والعقلانية، في الوقت نفسه الذي يجب أن نسعى فيه إلى جمع الصف ووحدة الكلمة.

أما الأسباب الخارجية فتعود إلى المخططات التي وضعها هؤلاء الذين تهمهم في المقام الأول السيطرة على مواردنا والاستفادة من موقعنا الاستراتيجي. هذه المخططات تمثلت في العمل على نشر وتشجيع الأفكار والمذاهب الهدامة لصرف الشعوب الإسلامية عن المقومات الأساسية والأخلاقية للعقيدة الإسلامية.

وإذا أردنا رؤية إسلامية على هذا المستوى فعلينا أن نكون مستعدين كل الاستعداد للتعامل مع المتغيرات العالمية بفكر حديث بعيداً عن الجمود والانغلاق. فكر يتناسب مع ما حدث وسيحدث في عالمنا من متغيرات. وكيف لا يكون ذلك ونحن جزء لا يتجزأ من العالم الذي نحيا فيه، فلا بد لنا من الاستعداد الجاد كي نواجه مستجدات الواقع، وحتى لا نتخلف عن ركب الحضارة العالمية، وهذا أمر يتطلب إزالة الكثير من العقبات والتغلب على العديد من التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه شعوب الأمة الإسلامية. وفي رأينا أنه بالعزم الأكيد، والإرادة والتصميم، والعمل الجاد، والتخطيط السليم سنعود إلى احتلال مكانتنا تحت شمس الرقي والتقدم، تلك المكانة التي كنا نحتلها في الماضي.

أمر آخر نريده ونتمناه وهو ضرورة أن يتنقل العلماء دائماً بين الأقليات الإسلامية في أوروبا والأميركتين واستراليا، لأن الوجود الإسلامي في الغرب يمثل اليوم ثقلاً بشرياً كبيراً.

إن أكثر مسلمي أوروبا الغربية من المهاجرين الذين قدموا من البلاد الإسلامية، وفي البداية كان الهدف من قدومهم العمل والبحث عن الرزق، أو الدراسة لسنوات محدودة، إلا أنهم وبعد مرور السنوات المتعاقبة واستقرارهم مع أسرهم في الدول الأوروبية، تحولوا من جالية مهاجرة لفترة محدودة إلى جالية مستقرة، ما دعا المسلمين إلى التفكير في بناء المساجد والمدارس والمؤسسات العلمية والثقافية من أجل الحفاظ على وجودهم وحماية أبنائهم من خطر الذوبان والانسلاخ عن عقيدة الإسلام، وكل هذه المبررات ساهمت في إقامة العديد من المؤسسات والمنظمات الإسلامية في أوروبا، التي يجب أن نساعدها في إطار احترام قوانين الدول التي تعيش فيها.

إن من واجبنا زيادة الاهتمام بالمسلمين في أوروبا والأميركتين واستراليا، وغيرها من الدول الأفريقية والآسيوية، آملين بأن يستمر هذا الاهتمام ويتزايد في شكل إيجابي، إن كنا بحق نريد توحيد الجهود على كل الصعد.

كل ما سلف يحتم علينا ضرورة الوعي الكامل بمتغيرات العصر، هذا العصر الذي لا يعترف إلا بالعلم والمعرفة وبالوحدة والاتحاد، أي بالكيانات الكبرى بعيداً عن التعصب والصراع والعنف.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة