|   

النسخة: الورقية - دولي

من صفات الذئب أنه يفتك بقطيع الغنم الذي يهاجمه ويقتل أكثر مما يأكل، وليس له منقبة أو صفة نبيلة، في مملكة الحيوان، وهذه ذاتها صفات «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) الذي تفنن في اختراع وسائل ومبررات قتل المخالفين له. ومع فقدان «داعش» سيطرته على أكثر من 80 في المئة‏ من الأرض والموارد والبشر التي سيطر عليها منذ نيسان (أبريل) ٢٠١٤، فإن التنظيم بدأ بإعداد البدائل لرد الصفعات العسكرية والأمنية التي وجهت وتوجه إليه، وأحد أساليبه الجديدة هو «الذئاب المنفردة»، بحيث يستغل شبكة الإنترنت لتجنيد عناصر عطشى لدماء ضحاياها.

إن أخطار هذا الأسلوب كبيرة جداً، لا سيما أن تنفيذ العمليات سيكون مختلفاً عما تعاملت به التنظيمات الإرهابية، ومن مقارنة بسيطة بين أحداث ١١ أيلول (سبتمبر) وأحداث ملهى رينيه في إسطنبول ليلة رأس السنة، نضع اليد على ما يأتي: إن أسلوب الذئاب لا يحتاج إلى تخطيط أو تمويل أو تدريب، إنما سيكتفي التنظيم بعنصر واحد أو أكثر يتم تجنيده «فكرياً» وإلكترونياً لغرض ضرب الهدف الذي ينتقيه، وفق دراسته الميدانية وطبيعــة شخصيته ورؤيته، ووفقاً لتوقيت زمني مفاجئ، هذا «الذئب البشري» سيكون في الغالب ذكراً يتراوح عمره من ١٥-٣٥ سنة، غاضباً، متوتراً، يائساً، متعباً فكرياً، حانقاً اجتماعياً، يبحث عن الخلاص في عالم آخر بعد أن يسحب معه أكبر كمية من أشلاء ضحاياه وآهاتهم، ساعياً ليكون عمله الأكثر إثارة وتأثيراً.

والأثر الآخر لهذا الأسلوب، هو صعوبة المتابعة الأمنية لهذه العناصر، التي لا تمر بمرحلة الانتماء الرسمي أو التدريب العملي أو التجنيد العسكري، إنما العالم الافتراضي هو مكان «تورا بورا» الجديد، ودروس علماء «داعش» يتلقاها صوتاً وصورة وهو يحتسي كوب قهوة في غرفته، وأناشيد الجهاد والشهادة ستملأ هاتفه الذكي بدلاً عن ترديدها في مدارس بيشاور. وإن سقط هذا «الهدف» في براثن الأمن لن يسقط إلا منفرداً، ولا خطر على الشبكات العالمية ولا التنظيمات الخيطية للتنظيم.

الأثر الثالث لهذا الأسلوب هو وصول رسالة «الخوف» إلى المجتمعات التي ستكون قطعاناً بريئة أمام هذه الذئاب البشرية، فتتحول السوق، والمدرسة، والسينما ساحات قتال شرس بين مهاجم يريد الفتك بضحاياه وأفراد عزّل يريدون النجاة بأعز ما في الحياة وهي الحياة ذاتها.

لا سيما أن المهاجم سيكون غير ملتح، ولن يرتدي سروالاً ويحمل مسواك، إنما سيكون من ضمن المجتمع يرتدي الملابس الشبابية وينتعل الحذاء الرياضي ويحمل أداة القتل كلاعب محترف يحمل مضرب التنس ويجيد تسديد ضرباته.

إن هذه التنظيمات ستبحث عن نصر إعلامي، والسعي لاستمرار زخمها الذهني، وحضورها الدموي، عبر إطلاق قطعان من الذئاب، إلى الأهداف المدنية الرخوة، لا سيما في بعض الدول العربية والأوروبية، ناهيك عن الساحة العراقية التي ستكون الأكثر جاذبية لذئاب استطعمت لحوم شعبها.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available