|   

النسخة: الورقية - دولي

إنّه لمستغرب أن تُنسب خطايا الممارسات السياسة، وأعمال تشويه الإسلام إلى «تدخل الإسلام في السياسة»، كما يقول الأستاذ خالد الحروب في «الحياة» (12/3/2017)، في حين لم يحصل جلّ ذلك إلا بعد فصل الإسلام عن السياسة. فقد شهد القــرن الماضي فصل الدين عن الدولة والحكم، وعن العمل الحزبي والسياسي، ولم يبق تأثير للإسلام في الحياة إلا جزئياً في العبادات والأخلاق.

يرجع الحراك الإسلامي وتنامي حركاته في العالم إلى أحكام الإسلام، وليس إلى تخلف القرون الوسطى في أوروبا، ولا إلى شيء يشبه ذلك، لذلك كان من الإجحاف تقديم تحليلات تسرح في الخيال، وتُغرِق في القياس على التاريخ الأوروبي، غافلة عن أن الإسلام نظام سياسي وطريقة عيش.

الإسلام لا يُقاس على أي دين آخر، لأنه يقوم على أساس عقيدة عقلية تحاور بالفكر، وروحية تطمئن إليها النفس، وسياسية ترعى شؤون المجتمع وسائر العلاقات. فالقول أن العمل السياسي على أساس الإسلام استغلال للدين افتراء. فالقرآن يأمر بالحكم بما أنزل الله: «وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم». والنبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «والإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيّته». وهو نفسه كان الحاكم والقاضي والذي يعقد المعاهدات ويعلن الجهاد ويعين الولاة والقضاة وينفذ الأحكام ويرعى كل الشؤون. وعلى ذلك اتبعه الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم. فلماذا يغفل الأستاذ الحروب هذه الحقائق؟

يجانب الأستاذ الحروب الموضوعية عندما يُنظِّر لفصل الإسلام عن السياسة بمبررات من حكم الكنيسة في أوروبا أو من البوذية والهندوسية! ويُمعِن في تجاهل حقائق الإسلام عندما يردد قول مناوئي الطرح الإسلامي: أي إسلامٍ يريد الإسلاميون! الإسلام الإخواني أم التحريري أم السلفي أم الصوفي... السني أم الشيعي... فليته وليتهم يُمعنون النظر في الطرح الإسلامي قبل اتهامه. إذ هل ثمة أحد يجهل أن الاختلافات الفقهية والسياسية قديمة في حياة المسلمين، ولم يكن لها تأثير سلبي على الدولة الإسلامية، بل كان جلّها سبب تفاعل فكري وتعمق ورقِي في شتى مجالات المعرفة.

إنّ انتقاد الأستاذ الحروب لحكم الإسلام بقوله إن الخلفاء لم يكونوا عُبّاداً وزهاداً، وأنه تم استغلال الدين لأهداف سياسية يبعث على التساؤل: من هم برأيه الزهاد والعبّاد الذين علينا أن نتمثّل بمناهجهم! هل هم أصحاب قنابل هيروشيما أم ناكازاكي؟ ستالين أم هتلر؟ هل هم أصحاب عملية الصدمة والرعب في العراق أم الرصاص المصبوب في غزة؟

وهل يجب أن يكون الحاكم في الإسلام معتكفاً في صومعة أو حليف محراب، معتزلاً الحكم والسياسة وخططهما ومنشغلاً بالدعاء والتسبيح! إنّ المطلوب من الحاكم أن يحكم بالإسلام، وأن يسوسَ بحكمةٍ وعدل كما أمـر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ولعل مناوئي الفكر الإسلامي السياسي يتنبهون لتناقضهم عندما يتغنّون بتعدد الآراء ويعُدّون ذلك حسناً، ثمّ إذا وجدوا هذا التعدد على أكمل وجه في المذاهب الإسلامية، يصبح الأمر بنظرهم قبيحاً! أَوَليس عند دول الغرب أحزاب مختلفة، وسياسات متعارضة، واستراتيجيات متناقضة؟ فلماذا هذا الأمر مقبول عندهم وحَسَن، وهو نفسه على العكس من ذلك في الإسلام!

الشريعة الإسلامية تُقرُّ اختلاف الاجتهادات، وأن يبقـى كل صاحب رأيٍ على رأيه ومذهبه، وإذا لزم توحُّدُ رأي المجموع في موقــف ما، فحينئذ يُتَّخذُ حكمٌ يسنُّه رئيس الدولة. فالاختلافات المذهبية لا تحول دون الحكم بالإسلام، ولا تؤدي إلى اضطراب.

ختم الحروب مقاله بقوله: «تطورت نظريات السياسة والحكم وإرادة وإدارة الشعب والعقد الاجتماعي والمشاركة السياسية والديموقراطية...». وأجيبــه باختصار: إن ما يُزعم أنه تطور في نظم الحـكم والتشريع، لا يعدو أن يكون معالجات للتيه والضلال. فهذا التطور دليل فشل، لأن الإنسان هو الإنسان، والتطور لا يطاول الإنسان، بل الوسائل والأشياء. فإذا لزم تغيير الأنظمة بزعم التطور، فهذا لأنها كانت أنظمة للأدوات والأشياء أكثر مما كانت أنظمة لحاجات الإنسان. فتغيير الأنظمة دليل على عجزها وفشلها. رحم الله فقهاء الإسلام الذين عرَّفوا الحكم الشرعي بأنه: «خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد»، وليس المتعلق بالوسائل والأدوات والأشياء.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة