|   

النسخة: الورقية - دولي

لم تعهد غالبية شعوب الشرق الأوسط العيش في ظل أنظمة تمارس أياً من أنواع الديموقراطية الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية، بل بقيت هذه الشعوب أسيرة نماذج «تأليه» الزعماء والقادة الذين عملوا بدورهم على تركز السلطات السياسية والإدارية والقضائية وحتى الدستورية في أيديهم بعيداً عن المحاسبة أو المحاكمة، ما شكّل سداً منيعاً أمام أي نوع من التشارك في قيادة الدولة والمجتمع، وحرم الشعوب من أدنى حقوقها.

وقد حاولت هذه الأنظمة ربط هذا النمط في إدارة الدولة والمجتمع بآليات مجتمعية متعددة وبخطوات شعوبية شكلت رابطاً عضوياً بين من يعيش في ظل هذه الأنظمة وضرورة تبعيته لها.

وأنتجــــت هذه العلاقة في اللاوعي المجتمعي وعقلـــه الجمعي فكرة تمثلت في ضرورة ارتباط حـــياة أفـراده باستمرارية هذه الأنظمة المركزية الشمـــولية وسيادتها، وشكّلت ذهنية عامة ترفض كل ما لا يتطابق مع هذه الفكرة، الأمر الذي طبع تكوين شخصية متأثرة بهذا النمط من الحكم سرعان ما باتت تدافع عن ذلك الشكل القائم وتهاجم أي محاولة لتغييره تحت حجج واهية يرونها حقيقية.

لم تستطع تلك الأنظمة وقياداتها إيجاد أرضية سياسية لشراكة حقيقية بينها وبيـــن مكونات مجتمعاتها، لا في تقرير شكل الحكم ولا في آلياته أو أدواته أو ممارساته، بحيث تضمن تلك المكونات حقوقها والحفـاظ على هويتها التاريخية والثقافية والاجتماعية، بل بقيت بعيدة من ممارسة أدنى مستويات الديموقراطية في علاقتـها مع شعوبها ومكوناتها، وتركّز اهتمامها على صهر تلك المكونات في بوتقة العروبة المزعومة فنشأت مصالح فئوية على حساب المصلحة المجـــتمعية ترتبط بها وباستمراريتها، فغابت الديموقراطية فكراً وممارسة ما كان سبباً في قمع الحريات ورفض تشكّل الأحزاب المعارضة وغياب السلطة التشريعية عن ممارسة مهماتها الحقيقية في الرقابة المجتمعية على أداء السلطة التنفيذية. كل ذلك، إلى جانب استفراد تلك الأنظـمة بالحكم عشرات السنين، ما شكّل عائقاً جوهرياً أمام أي تحولات في شكل الأنظمة الحاكمة في تلك البلدان وطبيعتها، الأمر الذي أبعد الشعوب عن المشاركة في صناعة القرار السياسي والاقتصادي وأثّر في التكوين السلبي للوعي السياسي ملغياً بذلك المناخات السياسية الملائمـة لخلـق حالة من الديناميكية المجتمعية التي كان من الممكن ان تساهم بتنقية التجربة السياسية لتلك البلدان، بل وفي أدنى الأحوال حرمتها من إنضاج ذلك الوعي، ما كان سبباً في تغذية النعرات القومية والطائفية فيها.

وبغياب الديموقراطية وأدواتها وسيطرة الأجهزة الأمنية على مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية غابت أي شراكة حقيقية في الحكم عن إدارة البلاد، ومنع تشكّل القوى والأحزاب المعارضة ما حرم الشعوب من الاختيار الأفضل لممثليهم وحاكميهم، بل وإخضاعهم لحكم وإرادة فئة واحدة تتمتع بكامل السلطات والنفوذ، الأمر الذي تسبب في عدم استقرار سياسي مستمر في ظل وجود تكوينات مجتمعية مختلفة قومياً واجتماعياً وثقافياً وإثنياً كان من أهم إفرازاته خلخلة البنيان السياسي والاجتماعي للمجتمع وتسليم مفاتيحه للأجهزة الأمنية التي كانت كفيلة بقمع الحريات ومصادرة حرية الفكر والتعبير والرأي، وبناء عليه أودعت الآلاف في سجون مظلمة دام ليلها سنوات طويلة.

وأمام ضرورة تلميع صورة القيادات السياسية لتلك البلدان والتغني بحكمتها في قيادة البلد والمجتمع تم تجاهل الأزمات السياسية والمجتمعية الظاهرة، بل ومحاولة طمرها وعدم الكشف عنها، ما أدى إلى ظهور اختلالات سياسية حقيقية وإلى فرز فئوي وطائفي وصراعات مكبوتة بين المكونات المجتمعية وتلك الفئة من جهة، وبينها وبين بقية القوى السياسية من جهة ثانية، الأمر الذي منع إيجاد أي نوع من الاندماج المجتمعي والعمل معاً لمصلحة الوطن والشعب، ودفع نحو تشكّل قوى نفعية، ترتبط مصالحها باستمرارية الواقع القائم، أصبحت مستعدة للقيام بأي تصرف حيال أي شخص أو حزب أو جهة تفكر بتغيير هذا الوضع، الأمر الذي قاد إلى ثورات قُوّضت وحروب سُعّرت وشعوب شُرّدت.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available