|   

النسخة: الورقية - سعودي

< يبدو أن الإنكليز حين غادروا أكبر مساحة عربية ومنحوها استقلالها كانوا قد أحكموا إغلاق الـ«قنينة»، تلك التي يقبع في قعرها الآن «مارد» الحلم، ولا أخاله إلا ويتساءل منذ عام 1956 من يفرك الحلم السوداني البهيج ويخرجني من هذا «القمقم» ليكون سلة غذاء العالم؟ وبداية لا بد من الاعتراف بأن استعمار الإنكليز للسودان منحهم فرصة ذهبية لسرقة مدخراته، ولكن في المقابل كانوا يأكلون وكان السودانيون كذلك يأكلون من خيرات بلدهم، ولكن الإنكليز لم يكن من ضمن مسروقاتهم التي ضبطها التاريخ وضمّنها في سجلاته ومحاضر التحقيق، لم يكن «عمر» الإنسان السوداني من ضمنها!

فمن سرق ذلك العمر، من يعيد تلك السنين؟ حين كان الجنيه السوداني يساوي جنيهاً وربع الجنيه الإسترليني، و13 ريالاً سعودياً، حين كانت جامعة الخرطوم في قيمتها وثقلها العلمي تعادل جامعات أوروبا بل أقوى، والآن خارج تصنيف الـ5000 جامعة في العالم، حين كانت أبواب الكلية الحربية مفتوحة على مصراعيها دخل وخرج منها 90 في المئة من القادة العسكريين العرب، حين كان السودان «مكينة» التفريخ الأكاديمي لأكثر من 350 ألف عالم في جميع التخصصات، والفنيين وأصحاب المهن الوسيطة يقرضون الغربة الآن في بناء البلدان، ولكنهم في مفارقة المعادلات الصعبة عجزوا عن بناء بلدهم، فمن سرق كل ذلك؟! لا أحد سوى «الأحزاب»، الذين بدأت معهم رحلة عذاب الإنسان، فهم من سرق من عمره كل هذه السنوات التي تجاوزت 70 عاماً، فهم حزب الأمة، والوطني الاتحادي، وأحزاب اليسار، وحزب المؤتمر الوطني، وحزب المؤتمر الشعبي، أفرغوا الخدمة المدنية المؤهلة التي لا تنتمي لتياراتهم الحزبية، للسيطرة على السلطة.

ما نتج عنه هذا التشرذم الوطني والتخلف عن ركب الحضارة الأممية، وما يدعو للشفقة حينها تخيل الحالمون من شعب السودان أن الأحزاب الأربعة الكبيرة من فصيل الأجنحة التي تشي بتحليق واعٍ، يضمن لهم عبور فضاءات المرحلة إلى فضاءات أخرى تعزز رغد العيش! ثم ماذا؟ ولأن الفرد السوداني لا يجني من الشوك العنب، فقد جنى هذا الغباء السياسي المؤصل لدى الأحزاب السابقة أحزاب أخرى وصل عددها الآن لـ120 حزباً هي من ذات الشوك الذي يسير عليه المواطن السوداني البسيط حافي القدمين!

وإذا نظرنا إلى دول أوروبا وأميركا، النموذج الناجح لخدمة مواطنيه، لا يصل عدد أحزابها إلى أصابع اليد، لأن التنافس على البرامج التي تخدم المواطن أينما كان والوطن. أكبر الأحزاب السودانية التي أسست عام 1943، أي منذ 74 عاماً، لم يتنافسوا قط على برنامج اقتصادي سياسي اجتماعي يصب في مصلحة الوطن والمواطن، وإنما الصراع والتنافس للوصول للسلطة التي تمزقوا وانقسموا وتصارعوا وتحاربوا من أجلها، فكم عدد حزب الأمة والحزب الاتحادي والأخوان واليساريين الأصل والصورة، لا أحد يعرف؟

حتى بلغ عدد الأحزاب لأجل السلطة قريباً من عدد دول العالم، وأن الديموقراطية أو الشورى التي تتشدق بها الأحزاب غير موجودة في النظام الأساسي أو دستور الحزب، فرئيس الحزب هو رئيس مدى الحياة، يرثه الابن من بعدة أو أقرب المقربين، حتى لا يخرج الحكم من هذه الدائرة التي رسمت وفق النظرة الحزبية الضيقة الأفق. هم قادرون فقط على تأجيج الصراعات من أجل التقسيم الوزاري الذي يعد بالنسبة لهم مربط الفرس، وهم قادرون فقط على منحك في المستقبل «شوالاً» ضخماً تملؤه بآلاف الجنيهات السودانية تذهب به إلى سوق الخضار لتشتري حزمة ملوخية أو ربطة جرجير واحدة. أليست قيمة الدولار تساوي أكثر من 15 ألف جنيه سوداني قابلة للزيادة، وربما لا تعرف الأحزاب أن السودان يمتلك 200 مليون فدان صالحة للزراعة، و200 ألف طن من الأسماك تسبح في مياه السودان، وأكثر من 150 مليون رأس من الثروة الحيوانية، والقائمة طويلة من خيرات في ظاهر الأرض وباطنها، وخصوصاً آلاف الأطنان من معدن الذهب.

ومع ذلك الموانئ البحرية تستقبل المنتجات السودانية الصرفة من الزراعة، أليست «الويكة» ومنتجات الألبان وزيوت الطعام والسكر والخضروات والفواكه هي منتجات سودانية وغيرها كثير أصبحت تصنع الآن في الخارج ثم تشحن إلى موانئ السودان بقيمة بلغت أكثر من بليوني دولار في إحدى السنوات الأخيرة، استنزاف للنقد الأجنبي على قلته، وهذه البليونات لو صرفت للتنمية الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية، لزادت حصيلة الصادر من النقد الأجنبي لتنخفض الفجوة في ميزان المدفوعات وتعود للجنيه السوداني عافيته. إنني أتساءل ما بعد حقبة الاستقلال وتوالي الحكومات الحزبية، وتم اختزال المعاناة في حوار وطني أعرج سار متكئاً على إرثٍ من عبث الأحزاب وخيبات الأمل؟! خصص للكوادر العلمية والكفاءات الوطنية (المستقلة)، عن أي انتماء حزبي يمارسون من خلاله دور «الفرجة» على جهلة الأحزاب، الذين خصصت لهم ميدان القرارات المفصلية، وتم إرضاء الأحزاب بـ79 منصباً وزارياً لخدمة 39 مليون مواطن، بينما دولة الصين بها 18 وزيراً اتحادياً لخدمة 1.4 بليون نسمة، والهند بها 31 وزيراً لخدمة 1.3 بليون نسمة، وأميركا عدد سكانها 321 مليون نسمة موزعين على 50 ولاية بها 15 وزارة اتحادية.

إلى متى يظل السودان «ضيعة» تمتلكها أسر ومجموعات بلا برامج وطنية لخدمة السودان والسودانيين الذين يأكلون الحصرم وهم يزدادون جبروتاً وثراء، وفرض آرائهم الحزبية التي أدت للتدهور الاقتصادي والاجتماعي.

أرجو أن يقود السادة الأدارسة تكوين تكتل سياسي اقتصادي اجتماعي مستقل، لتحرير أهل السودان من شظف العيش والزهد الممنهج الذي فرضته عليهم الأحزاب منذ مغادرة الاستعمار البريطاني أرض السودان، لما يملكونه من ثقة شريحة كبيرة من الشعب السوداني (شماله وجنوبه وشرقه وغربه).

والأدارسة لم ينساقوا البتة خلف المغريات السياسية يوماً، ولم تمثل السلطة أدنى هاجس لهم، وحين أطالبهم بالقيام بهذا الدور المفصلي في تاريخ السودان، فإني أدرك مسبقاً أنهم لن يتخلوا عن إرثهم الأخلاقي الذي كسبوا به محبة الناس وثقتهم، ولكنهم سينطلقون من خلاله إلى أفق أوسع كقوس قزح يحوي ألوان الطيف السودانية، وبذلك نكون وضعنا أقدامنا على بداية الطريق الصحيح الذي نقضي بمساره على المفهوم الرديء للوطنية التي تقاس بالانتماء الحزبي الضيق الأفق والواسع الشراهة للمكاسب الشخصية والحزبية! لذا، فإن إنشاء «تكتل سياسي» من تكنوقراط الكوادر العلمية المهمشة الذين يعدون بالآلاف داخل السودان وخارجه، المستقلين عن أي انتماء حزبي بات ضرورة لإدارة الدفة السياسة والاقتصادية في السودان الآن بعد الفشل المدقع للأحزاب.

فالمواطن السودانى ما هو سوى «أيقونة» منسية من زمن الاستعمار البريطانى. لذا، فهو حالمٌ جداً حين يعتقد أن هؤلاء الأحزاب بتركيبتهم هذه قادرون على «فرك» المصباح السحري ليخرج منه مارد أحلامك لتأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع، وتصبح سلة غذاء العالم.. فكفى السودان والسودانيين عذاباً يا أحزاب.

 

 

* مستشار اقتصادي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة