|   

النسخة: الورقية - دولي

بات ملحّاً عقد مؤتمر وطني سوري عام، تتم فيه المصارحة والمصالحة والمسامحة الوطنية، خصوصاً بعدما وصلت المفاوضات في مساري جنيف وآستانة إلى طريق مسدود. مؤتمر كهذا سيكون داعماً لجهود الأمم المتحدة والمبعوث الخاص وفريقه في الوصول إلى حل يُنهي المأساة السورية، أو على الأقل يضع الحجر الأساس لتحقيق سلام مستدام يُبنى على عقد اجتماعي جديد.

إن أكثر السوريين ينتابهم خوف حقيقي من أن طرفي الصراع، معارضةً ونظاماً، لن يصلا إلى اتفاق ينتشل الوطن من مأساته الحالية، خصوصاً بعدما فقد كل طرف منهما الأمل بتحقيق الحسم العسكري لمصلحته. هذه الحالة الاستنزافية ستؤدي، إذا طالت، إلى تمزّق الوطن وضياعه. وكذلك هناك مخاوف من فرض وقف قسري لإطلاق النار من جانب القوى العظمى، التي ستنطلق من الأمر الواقع كنقطة بداية للحل، ما يؤدي في النتيجة إلى تقسيم سورية دويلات ومناطق نفوذ ومحميات أجنبية.

في الحقيقة إن المعارضة والنظام لا يمثلان إلا أقل من 20 في المئة من الشعب السوري، بينما تقف الغالبية العظمى مع هذا الطرف أو ذاك، ليس تأييداً لهذا الطرف أو معاداة للطرف الآخر، بل لكونها مغلوبة على أمرها ولا حول لها ولا قوة، وهي مغيّبة عن صنع القرار السياسي ومهمشة بشكل واضح. لذا على القوى الدولية والأمم المتحدة أن تعمل على تمكين المجتمع المدني السوري من لعب دور إيجابي في عملية السلام والتسوية السياسية، بغض النظر عن ثنائية النظام والمعارضة، وذلك من خلال مؤتمر وطني عام يشارك فيه ممثلون حقيقيون لوجدان الشعب السوري، يعبرون بشكل واضح وصريح عن تطلعاته وإرادته. مقررات هذا المؤتمر ونتائجه يجب دعمها بقرار أممي مُلزم لجميع الأطراف المتورطة في الأزمة السورية.

ما دعانا إلى هذا الطرح هو الواقع الأليم الذي آلت إليه الأوضاع في سورية، وخروج الأمر من يد السوريين، معارضة وحكماً وشعباً، فحتى الاتفاقات الصغيرة أصبح يديرها الكبار، بل أصبحت الدول الإقليمية الكبرى لا تؤثر إلا في الحدود الدنيا. كما أن دولاً كبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن باتت مغيبة عن اتفاقات القطبين الكبيرين روسيا وأميركا. وأصبحت الأزمة السورية هي القضية الكبرى في العالم، وآثارها الكارثية هزت الشرق الأوسط وأوروبا، بل وهزت بعمق منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها. وتصفية الحسابات الدولية والإقليمية على الأرض السورية جعلت السوريين البسطاء يدفعون ثمن الخلافات الدولية.

على السوريين جميعاً أن يعملوا على إعادة سيادة القرار إليهم، وألا يسمحوا للآخرين بالاستمرار في العبث بمصيرهم. لقد بات مطلوباً منهم أن يضحوا أكثر من السابق وأن يتسامحوا وأن يبتعدوا عن مطامعهم الشخصية ورؤاهم الضيقة، وأن يتجاوزوا كل الأنانيات والأحقاد والثارات، وأن يضعوا مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات، على رغم ما دفعوه من ثمن باهظ من أجل الحرية والكرامة.

لقد آن الأوان ليعمل جميع السوريين على إنهاء عملية القتل والاقتتال في ما بينهم والبدء بخطوات زرع الثقة، وأن يكونوا على قدر المسؤولية أمام وطنهم وأن يكفوا عن رمي اللوم على الآخرين وتحميلهم مسؤولية ما يحصل في بلدهم، وأن يعترفوا بأن الطغاة والكثيرين من القتلة هم من إنتاج مجتمعهم، وأن عليهم تقع مهام جسام والتزامات يجب أن يقوموا بها قبل مطالبة الآخرين بمساعدتهم، حيث بات واضحاً أن العالم لم يعد ينظر إليهم كضحايا بقدر ما ينظر إليهم كمصدر للقلق.

إن ألمانيا هي الخيار الأفضل لعقد هذا المؤتمر، للأسباب الآتية:

- لم تنخرط ألمانيا في النزاع المسلح لمصلحة أي من طرفي النزاع.

- دور ألمانيا في استقبال اللاجئين السوريين ودعمهم في دول الجوار السوري.

- الاستفادة من الرافعة الألمانية لدعم أي اتفاق يحصل بين الأفرقاء، وتشجيعها للمساهمة في إعادة الإعمار، وتفعيل الدور الأوروبي، والاستفادة من الاندفاعة الفرنسية.

لا بد من أن تكون الآلية التي يتم بواسطتها اختيار المندوبين إلى المؤتمر الوطني العام ناتجة من شراكة بين المجتمع السوري والأمم المتحدة، وأن يتسموا بالصفات الآتية:

1- أن لا يكونوا من الذين تلطخت أيديهم بدماء السوريين أو من المتورطين في عمليات فساد.

2- أن يكونوا شخصيات وطنية نزيهة تمثل كل المكونات وتؤمن بدولة المواطنة المتساوية.

المهام الأساسية للمؤتمر الوطني المصغّر:

> تعيين لجنة تحضيرية ووضع جدول أعمال المؤتمر الوطني العام الموسّع.

> تشكيل لجنة من السياسيين تأخذ في الاعتبار التوازنات الدولية والإقليمية وتتواصل مع المجموعة الدولية والدول الفاعلة لحشد الدعم للمؤتمر، وتعمل على كسر حال الجمود الاستراتيجي القائم. هذه اللجنة تعمل مع الأمم المتحدة لاستصدار قرار أممي مُلزم يدعم إرادة السوريين في التغيير.

> تشكيل لجنة من الخبراء الدستوريين لصياغة دستور موقت للبلاد مع ضمانات بعدم المساس بحقوق المكونات والحريات العامة ووضع التوافقات بين المكونات السورية نصاً وروحاً ضمن أي دستور جديد يضمن الحقوق ويزيل المخاوف. وأن يكون الدستور واضحاً وخالياً من الألغام.

> تشكيل لجنة خبراء تقوم بإعداد مشروع لإعادة بناء الدولة السورية لإنجاز مشروع وطني جامع.

> تشكيل لجنة من الاقتصاديين السوريين للبحث في إعادة الإعمار وأولويات التمويل ومصادره.

> تشكيل لجنة مختصة للمسامحة والمصالحة الوطنية مؤلفة من الوجهاء والزعامات وشيوخ العشائر والشخصيات المحلية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة