|   

النسخة: الورقية - دولي

يوم 6 تشرين الأول (أكتوبر) في نحو الساعة الخامسة مساءً... عودة الطائرات بعد الضربة الجوية. ثلاث أو أربع طائرات فقط هي التي عادت الى القاعدة. أصبنا بشيء من الخوف والقلق. أين بقية الطائرات؟ البيان العسكري الرقم 1 الذي أعلن بداية الحرب لم يذكر شيئاً عن الخسائر. فأين ذهبت تلك الطائرات؟ ولماذا لم تعد؟

عرفنا بعد أيام أين ذهبت الطائرات. أولاً، لا توجد خسائر في طائرات الهليكوبتر. ثانياً، أطقم الطائرات معظمهم عاد الى قواعده سالماً. ولكن كيف؟

هناك قصص ومغامرات لا تمت للمنطق بشيء، منها، على سبيل المثل ووفق ما تسعفني ذاكرتي، أن قائد طائرة هليكوبتر، عندما وصل الى نقطة الابرار المحددة له لإنزال جنود الصاعقة، وجد أسراباً من المقاتلات في انتظاره، ومدفعية تطلق قذائفها نحوه، فما كان منه إلا أن هبط بالطائرة في مكان خلف أشجار وأغلق محرك الطائرة وأجهزة الاتصال والأجهزة الملاحية... ونام تحت الطائرة مع طاقمها، بانتظار أن يخيم الظلام على المنطقة... فينطلق عائداً الى منطقة عسكرية مصرية بالبرّ الغربي للقناة... وقد كان. لكن قواتنا قامت بالقبض عليه ووضعه في زنزانة حتى يتضح أمره. وبالطبع تم التعرف اليه والتأكد من شخصيته ورجوعه الى قاعدته وتشكيله.

طائرة أخرى أصيبت بقذيفة وحدث فيها عطل منعها من مواصلة الطيران... قائد الطائرة أصيب في وجهه من خزان زيت انفجر داخل الطائرة (مي 8)، لكنه تمالك نفسه هو ومساعده والملاح وهبطوا بالطائرة في إحدى المزارع. إلا أن مزارعين وفلاحين تجمعوا وهم يحملون أسلحة وفؤوساً ومناجل واتجهوا الى الطائرة التي اعتقدوا أنها إسرائيلية لينتقموا من الأعداء، فخرج منها قائدها ذو الوجه الأحمر والملامح الأوروبية ليخبرهم بأنه مصري... مصري... يا ناس، اعقلوا أنا مصري.

الفلاحون والمزارعون لم يلتفتوا اليه وظنوا أن هؤلاء الإسرائيليين يتقنون اللغة العربية وهذا لن يمنعنا من قتلهم... وهمّوا برفع الأسلحة البيضاء في وجه قائد الطائرة، فتدخل ملاح الطائرة وخطر بباله أن يخرج من جيبه علبة سجائر «كليوباترا».

«يا ناس أنا اسمي سعيد حنفي... مصري وهذه سجائري... وأنا من المنصورة من قرية...». فتراجع الفلاحون... واقتادوا طاقم الطائرة الى أقرب وحدة عسكرية. طائرة هليكوبتر أخرى فوجئ قائدها بطائرة «فانتوم» أمامه بالعرض، أي أكبر مساحة منها أمامه. أصابته صدمة فوجّه مقدمة طائرة هليكوبتر باتجاه «الفاتوم»، وبحركة عصبية وخوف ضغط على زر إطلاق الصواريخ التي في جانبي طائرته. 64 صاروخاً مضاداً للأفراد والمعدات انطلقت كلها في جسم الطائرة «الفانتوم» وأوقعتها، في مفاجئة من العيار الثقيل له هو شخصياً... فلم يصدق نفسه ونظر خلفه ليجد سرب الطائرات المقاتله، فما كان منه إلا أن هبط في مكانه، ونزل من الطائرة وأخذ يجري متجهاً الى الغرب لعله يجد أحد عناصر الجيش المصري ينقذه. وقد كان وعاد الى وحدته.

عشرات القصص والحكايات التي حدثت يوم 6 أكتوبر لا تخضع لأي منطق ولا لأي حسابات. والنهاية عبور ناجح وساحق من أبطال لا يخشون إلا الله.

تحية لجميع رجال الهليكوبتر الذين كانوا يضحون بأنفسهم ولا ينتظرون مقابلاً... سوى رضى الله.

*  من كتاب يصدر قريباً بعنوان «عين الشمس»

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة