|   

النسخة: الورقية - دولي

من أصعب اللحظات التي يمرّ بها المؤرخون هي الفترات الانتقالية، أو «المنعطفات التاريخية»، إذ يضطر المؤرخ، طَوعاً أو كرهاً، الى أن يكتب تاريخ تلك الفترة تحت «سيف المنتصر»، وقد قيل: «ويل للمغلوب من المنتصر». فمؤرخ بغداد الوحيد، بعد وفاة أستاذيه- ابن الدبيثي سنة 637هـ. وابن النجار سنة 643ه. تاج الدين علي بن أنجب، المعروف بابن الساعي (593-674ه.)، العاشق مدينته مدينة السلام عشق مؤرخها الأكبر الخطيب البغدادي المتوفي سنة 463هـ. والمحبّ لخلفائها العباسيين، فقد ألَّف أربع سِير عن آخر أربعة خلفاء منهم (الناصر، الظاهر، المستنصر، المستعصم)، وعاصر لحظة دخول هولاكو بغداد منتصراً سنة 656هـ. 1258م. وهنا يعترضنا أول سؤال: كيف نجا هذا المؤرخ البغدادي، المتشبِّع بحبّ العباسيين، من هذا المأزق، في وقت كان مَنْ يذكرهم بخيرٍ يُقتل من فوره؟!

ولك أن تتخيل ما ذكره صاحب كتاب «الحوادث الجامعة»، مجهول الهوية وقريب العهد من الأحداث، أنه لم ينجُ من أهل بغداد إلا أربعة نفرٍ: أهل الذمة، والتجار الذين كانوا يترددون على خُراسان، واللاجئون إلى دار كل من الوزير ابن العَلْقمِي، وصاحب الديوان ابن الدَّامغاني، وحاجب الباب ابن الدَّوامي، وآخرهم المختبئون في الآبار والقنوات. فكيف نجا إذاً ابن الساعي؟!

هذا المؤرخ كانت علاقته طيبة بابن العَلْقمِي، ويحضر مجالسه، فلا غضاضة أن يلجأ، بصحبة الأديب عبدالحميد بن أبي الحديد، شارح «نَهج البلاغة»، إلى دار ابن العَلْقَمي. ولا يظنن أحد أنه كان متواطئاً، فالرجل أُعدم ابنه البكر على أيدي عساكر المغول.

وفي الدولة الجديدة – دولة المغول الإيلخان – تولّى ابن الساعي منصباً علميّاً رفيعاً، هو خازن دار الكتب بالمدرسة المستنصرية في بغداد، بتفويض من الفيلسوف النصير الطُّوسي، صاحب الكلمة المسموعة لدى هولاكو، وكان ابن الساعي قد تولَّى مثل هذا المنصب في دولة العباسيين بالمدرسة النِّظاميَّة. وإن دلَّ هذا على شيءٍ، فإنما يدل على أن ما تردد حول حرق المغول الكتب وتغريقها، أمر يحتاج إلى وقفة.

بعد أن هدأت الأوضاع ببغداد، ما ظنك – وهذا هو السؤال الآخر- برجل يعيش في ظل حكم مَنْ قضوا على دولة أسياده؟! ظل ابن الساعي وفيّاً للعباسيين وفاء «صامتاً»، تمثل في احتفاظه بالكتب التي ألَّفها في العهد العباسي أو بتأليفه كتباً جديدة، نعى فيها حكم أسياده وأمجادهم، وإن كان ذلك في شكل غير مباشر. فكتابه «المقابر المشهورة والمشاهد المَزُورة» يعد رثاءً حقيقياً وصادقاً لبغداد بعد الاحتلال المغولي لها، فالقارئ للكتاب يتذكر «مرثية أبي البقاء الرندي» (ت 684هـ.) التي رثى فيها سقوط إمارة غرناطة قبل سقوطها. فابن الساعي يعدِّد في الكتاب مقابر المشاهير من المحدِّثين والزُّهاد، ناهيك بمقابر الخلفاء العباسيين، لكنه لم يُشر البتة إلى قبر المستعصم، ربما لأنه ألَّف الكتاب في عهده، أو لخوفه من المغول، الذين كانوا يخشون قيام أية «صحوة عباسية»؛ لذلك فتكوا بكل مَن شكوا بأنه يترحم على دولة بني العباس، بينما تطرَّق بالحديث إلى مقابر الخلفاء الذين دُفنوا خارج بغداد، كأبي العباس السفَّاح، والمنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والمأمون، والمعتصم، والمسترشد، والراشد... إلخ. وله كتاب ثان عن نساء الخلفاء العباسيين، تفوح منه رائحة الحنين القوي لخلافة بني العباس.

هذا المؤرخ «الخائف» استطاع بذكائه وصمته أن يعطي لكتبه قبلة الحياة، وذلك باتصاله بالوزير ابن العَلْقمي وبالنصير الطُّوسي، ومن ثَمَّ تعيينه خازن دار كتب المدرسة المستنصرية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى بتأليفه كتاباً آخر، اسمه «الدُّر الثمين في أسماء المصنِّفين»، ذكر فيه كثيراً من أسماء كُتبه، مثل: «حصول المُراد في أخبار ابن عَبّاد»، و «نُزهَة الأخيار في شَرْح محاسن الأخبار»، و «أخبار ابن سينا»، و «التبرِّي من عقيدة المَعَرِيّ»، وغيرها كثير، وهي مفقودة كلها.

فليس على العلماء أن يضحوا بأنفسهم عندما تدلهم الأزمات، فإنْ كان لا مفرَّ من ذلك، تضــحي قِلّة منـــهم؛ كي تســــير قافلة العلم، وإنْ مشت الهُوينَى، فمِن علم هذا المؤرخ «الجبل» – وفق وصف شمس الدين الذهبي له - نهل تلميذه النجيب المؤرخ ابن الفُوَطِيّ الشيبانِيّ (ت 723هـ)، بعد أن فُكَّ أَسره من سجن المغول، وأتى أُكله بكتابه العظيم «مَجْمَع الآداب في معجم الألقاب»، فقد اعتمد فيه اعتماداً كبيراً على «تاريخ ابن الساعي»، الذي لم يتبقَ منه إلا الجزء التاسع فقط.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة