|   

النسخة: الورقية - دولي

عادت مجازر قطع الرواتب لتطل برأسها من جديد، كسياسة انتقامية وقمعية، لا تمنح الداخل الوطني أي أمل أو أفق في ظل انسداد واستعصاء تفاوضي، بالترافق مع تغول سياسي يعطي الأجهزة الأمنية المزيد من الحرية في اتخاذ إجراءات قمعية ضد الداخل الوطني، وضد الحريات التي يتشدق أهل السلطة بحمايتها والحفاظ عليها، وعلى رغم كل هذا، تزداد خيباتهم العالقة والمعلقة بحبال وأوهام «صفقة القرن» و «حل الدولتين».

وفي السراب أيضاً تعيش تلك «الصفقة التاريخية» بأوهامها وأوهام من يصدقها كحلم ليلة صيف، كما تتبدل أحلام الإدارة الترامبية، وهي تتقلب كما يتقلب صاحب البيت الأبيض، كلما عنّ له أن يغرد يوماً في اتجاه الشرق ويوماً آخر في اتجاه الغرب، من دون أن يستقر على حال، فأي استراتيجية أميركية يمكن الرهان عليها الآن وهنا، على جبهة السياسة الفلسطينية؟ خصوصاً حين يصرح العديد من المسؤولين الأميركيين بمن فيهم مبعوث ترامب، بأنه لم يتم بعد بلورة أي موقف متكامل، ولم يزل هناك المزيد من المشاورات قبل بلورة موقف واضح.

ومع تآكل الشرعيات الفلسطينية جميعها، في ظل معطيات الداخل الوطني الذي لم يعد موحداً أو متماسكاً على سياسات محددة، ومع سيادة وتجذر شرذمة الانقسام السياسي والجغرافي، والتشتت والتباعد الفصائلي والفئوي وسيادة أنماط من هويات متصارعة ومتقاتلة على قواعد تمكين إكراهية وسلطوية ما بين الضفة والقطاع، وفي داخل كل منطقة بما حوت واحتوت من فئويات، هذا الواقع يجعل الفلسطينيين أحوج ما يكونون اليوم إلى إجراء «تسوية وطنية» تكتل الكل الوطني على برنامج سياسي موحد أولاً، قبل السعي والانشغال والاشتغال بتلك التسوية الإقليمية.

على أن حصر المداخل الاستراتيجية لاستعادة وحدة المشروع الوطني الفلسطيني ووحدة قواه المناضلة والفاعلة، على قاعدة الالتزام بسلطة أوسلو، وما أنتجته من نظام سياسي، لن يستطيع ترجمة آفاق وتطلعات الشعب الفلسطيني. ولهذا لا ينبغي أن تحل مشكلات قطاع غزة بعيداً من الوحدة الكفاحية الوطنية الفلسطينية، و/أو بروحية الانقسام والتقاسم، تلك التي أضرت إيما إضرار بوحدة الحركة الوطنية وأعاقت تقدمها وتطورها، بل أعادتها سنوات إلى الوراء نكوصاً وتراجعاً، وإلى الحد الذي ما كان في مقدور العدو أن يحدثها، مهما حاول من جهود في إزاحة ما أحدثته عوامل الانزياح الداخلية عبر صراعاتها غير المبدئية، تلك التي أحالت ولم تزل تحيل أطراف المشروع الوطني بكاملها إلى بقايا شرذمات تتصارع بدورها على السلطة.

 

 

* كاتب فلسطيني.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available