|   

النسخة: الورقية - دولي

لم تفوت الإدارة الأميركية الترامبية الجديدة التي صعدت سلم سلطة البــيــت الأبــيــض منذ بــداية هذا العام، أي فرصة سياسية أو ديبلوماسية، من دون تأكيد حرصها على مصالح إسرائيل وحمايتها، وتقديم شتى أصناف العون والدعم والإسناد لها، وعدم السماح بالمس بمكانتها الاستراتيجية في المنطقة، حتى ولو أدى الأمر لدعم حرب إسرائيلية ضد «حزب الله» في الجنوب اللبناني، أو ضد مواقعه وأسلحته في سورية، أو حتى للانسحاب والمس بالاتفاق النووي الموقع مع النظام الإيراني.

وفي سياق البحث عن حل تسووي – تصفوي للقضية الفلسطينية، تسعى تلك الإدارة وبعقلية تجار «الصفقات» إياها، تلك التي يراد لها أن تتمايز بها عن مختلف محاولات الإدارات الأميركية السابقة، لرسم خطوط عريضة لـ «صفقة القرن التاريخية» كما يجرى توصيفها في الدوائر السياسية والأمنية والديبلوماسية الأميركية، في مسعاها إلى التوصل إلى تسوية تفاوضية سريعة، تنتهي إلى الحفاظ على مصالح الحليف الإسرائيلي على حساب المصالح والتطلعات التحررية للشعب الفلسطيني، في صفقة إحدى سماتها الأبرز كونها صفقة عقارية، تستفيد منها إسرائيل بالكامل على الصعد السياسية والديبلوماسية والاقتصادية كافة، تتوج بإقامة حائط صد تطبيعي على الصعيد العربي والإقليمي، تقطف إسرائيل ثماره وحدها من دون الجانب الفلسطيني الذي يصبح مكشوفاً من دون غطاء، وحيداً في مواجهة موقف أميركي – إسرائيلي منسجم إلى أبعد الحدود، وقد بدا ويبدو ذلك واضحاً من خلال هوية كل من مبعوثي الولايات المتحدة جيسون غرينبلات وجاريد كوشنير، وسفيرها لدى إسرائيل دافيد فريدمان، وهم متطرفون أكثر من بعض قوى اليمين الإسرائيلي نفسه، ويبدون غيرة على مصالح إسرائيل، بقدر غيرة اليمين الديني المتطرف لدى الطرفين.

صفقة القرن التاريخية، كما تتجلى في أذهان الحالمين بسهولة تحقيقها، باتت ترتكز وفقاً لمسؤول أميركي، على أن ترامب لا يعتزم الخوض في مفاوضات طويلة، بل يريدها خاطفة، ضماناً للوصول بها إلى نتيجة تعاكس الطرق المسدودة التي وصلت إليها في عهد سابقه، أو عهود من سبقوه من إدارات أميركية عجزت عن التوصل إلى تسوية ترضي طرفي الصراع، ولو بنسبة 50 في المئة لكل طرف، إلا أن بعض التفاصيل التي أوردها المسؤول الأميركي وفقاً لصحيفة «إسرائيل اليوم» اليمينية المقربة من نتانياهو، من شأنها أن تكون مقلقة لكثير من الجهات الإسرائيلية. لا سيما أنه ليس هناك من ضمانة للحفاظ على قواعد اللعبة التي تحكم توجهات الإدارة الترامبية وخطتها للتسوية التي تعود إلى مسارات تجريبية كسابقاتها من خطط التسوية التي فشلت وتوقفت عند حدود العجز عن الاستمرار بها، في كل مرة كان الفشل سيد اللعبة.

وفي محاولة لتفادي مثل هذه النتيجة، أو استباقها، يمكن البدء بمجريات عملية تطبيع إقليمية، يقودها الرئيس ترامب بنفسه، وتكون تمهيدية لمفاوضات التسوية التي قد تبدأ في نهاية كانون الأول (ديسمبر)، فماذا لدى الإسرائيليين ليقدموه في تلك المفاوضات، غير الذي يعرفه الجانب الأميركي، الأقرب إلى معرفة كل تفاصيل ما يريده الإسرائيليون، كما تفاصيل ما يريده الفلسطينيون من تسوية «حل الدولتين» التي لا يني يجرى إفشالها منذ أوسلو، وصولاً إلى تلك اللحظة التي يجرى فيها عملياً وعلى الأرض، نفي إمكان تحقيق مثل هذا الحل، ليتم استبداله بحكم ذاتي محدود السيادة والصلاحيات في أحسن الأحوال، بالنسبة إلى يمين إسرائيلي مراوغ «ملّ» تحديات الصراع ويريد العودة إلى إمساك العصا من الوسط، قبل أن يواصل اليمين الاستيطاني المتطرف والفاشي تغوله ضد الجميع في الداخل وفي الخارج، تمسكاً بأيديولوجية إسرائيل الكبرى التوراتية، ومحاولة مطابقتها مع الواقع بقدر ما يسمح الواقع العالمي لها بذلك.

 

 

* كاتب فلسطيني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة