|   

النسخة: الورقية - دولي

كم على العرب أن يدفعوا من أثمان، كم على العربي أن يحزن بعمق في داخله وهو يرى ما كان يسمى «عالمه العربي» في أجزاء غير يسيرة منه يعيش كل هذا الدم وهذه الفوضى. يسجل تاريخياً أن ثلاثة زعماء على الأقل قتلوا أو قبض عليهم في أوضاع مهينة، لا يشبهها إلا إهانتهم لشعوبهم وثقافتها، عبر استبداد مطلق أو نرجسية زائفة.

كم على العرب أن ينتظروا في أجزاء غير يسيرة من أراضيهم حتى تنجلي الغمة، وتعود وتيرة الحياة، الحياة في أبسط صورها وأصغر حاجاتها، ليبدأ التطلع إلى الحياة في تحضر وازدهار مادي أو فكري.

كان مشهد الرئيس اليمني السابق وهو نسخة كربونية من زميله الليبي، ونسخة غير بعيدة عن ذاك الذي هرب، أو ذاك الذي قبض عليه في حفرة وقتل يوم النحر. يوحي باليأس ويثير رغبة عاطفية آنية بالانسلاخ من هذا الانتماء المبني على لغة مشتركة، اشتركنا في حروفها، لكن، كثيرين منا، لا يشتركون فيها كعقل يجمع، لأن كثيراً من العقول تعطلت، وبعضها لم يتعطل فحسب بل بات يفكر في الاتجاه الخاطئ، ويصر على هذا، ويقاتل دونه.

عند التأمل في خيوط اللعبة الفارسية القذرة في اليمن على سبيل المثال، لا أجد أن الفرس يريدون إيذاء السعودية وحلفائها فحسب، أو إيذاء من ليس مصطفاً معها في اليمن ذاته فحسب، إن إمعان بعض العقل يجد أنهم يؤذون بادئ الأمر الموالين لهم، ومن يحركونهم كالدمى ليعيثوا في اليمن أو غيرها فساداً، أو إرهاباً، أو خلخلة سياسية.

إنها تحولهم إلى آلات «ديسبوزال» أي تلك الآلات أو الأشـياء التي تستخدم مرة واحدة وترمى، فهم لا يفعلون إلا أنهم يعطون الحوثيين أو «حزب الله» أو وغيرهم البنادق، ويجـعلون مهمتهم في الحياة هي الحرب والضرب، وأن يتسلموا معاشهم من طهران. ولو تأملوا قليلاً جداً لوجدوا أنه لم يكن التقدم الصناعي أو الثقافي لهم أو أي نوع مماثل هو الهدف.

لم يكن ثمة سوى الجوع، لأن الظروف التي يصنعها الفرس في بلدانهم تضرب فوضاها الإنتاج الزراعي والغذائي، ولم يكن ثمة سوى الجهل، لأن العقول النيرة تفر إلى مأمن خارج البلاد، فتضعف البنية السكانية، وهكذا يمكن القياس على الصحة والتنمية والبناء وغيرها.

تأمل قليـل يجعل من يحمل بندقية فارسية في وجه أخيه العربي يدرك أن إيران تضع في يده سلاحاً ليدمر مواطنيه أو جيرانه، لكنها في الوقت ذاته تمارس عليه هو تدميراً ذاتياً طويـل المدى، إذ عندما يصل إلى المرحلة التي يظن أنه انتصر على من أقنعته إيران أنهم خصومه، وأقول يظن لأنه لـن يفعل، سيجد نفسه غير قادر بذاته على أن يكون شيئاً منتجاً، على أي مستوى، سياسياً كان، أو حضارياً.

اعتـذر منك رفيقنا محمود درويش رحمة الله عليك، ففي هذه المرحلة التاريخية لا أريد العالم أن يسجل أنني عربي (على رغم تقديسي لقرآني وفخري بلغته)، سألجأ إلى براغماتية باتت ضرورية، وإلى ذاتية تجعلني أؤجل قليلاً بعض أحلام العروبة، وأكتفي في المرحلة الحالية بالمساهمة في بناء نفسي ووطني، ومحاولة مساعدة من ضلوا طريق العروبة الحقة.

mohamdalyami@gmail.com

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available