|   

النسخة: الورقية - سعودي

< التحركات الدولية والتفاهمات السياسية والعمليات العسكرية الميدانية والترتيبات الأمنية في المنطقة، تشير إلى أن التنظيم الإرهابي داعش ومن يلتقي معه في الأفكار والأهداف والوسائل من المجموعات الفكرية والقتالية، مصيرهم الاجتثاث من العراق وسورية، والتضييق عليهم في «الجيوب» التي مازالوا يختبئون فيها باليمن وبعض مناطق الجزيرة العربية، فسرعة الأحداث في العراق، والتفاهمات السياسية بين دول المنطقة، والتنسيق مع الدول الكبرى في المؤتمرات واللقاءات السياسية، كلها إشارات لا تخطئها العين في هذا الاتجاه.

والدول في المشرق العربي، وخصوصاً السعودية، اكتسبت من الخبرة الأمنية والتجربة الفكرية والممارسة الإعلامية ما يجعلها قادرة على التخلص من مقاتلي هذه المنظمات الإرهابية، وملاحقة حواضنها، ومطاردة فلولها، ومحاربة الأفكار المغذية لها في المناهج والمنابر والمؤسسات الثقافية، حتى وإن كان هذا سيأخذ وقتاً، لكن النهاية تكاد تكون معروفة سلفاً، على رغم أن قضايا التطرف وأعمال العنف، تتشكل في مظاهر مختلفة، وتنطلق من بواعث متباينة، بحسب المنطقة والظروف الاقتصادية والسياسية والدينية.

وما نشاهده من تقارب سعودي - عراقي، واتجاه جميع الفرقاء في سورية إلى الاقتناع بضرورة «حل المشكلة»، بغض النظر عن تفاصيل ذلك الحل وحسابات المكاسب والخسائر، يدفع باتجاه الاعتقاد أن «العد التنازلي» بدأ لطي صفحة مرحلة بالغة التعقيد، اختلطت فيها خيوط الإرهاب بالأطماع الإقليمية بصراع الهيمنة الدولية، ويدعم هذا التصور حديث رئيس وزراء العراق حول ضرورة بناء دولة المؤسسات والعدل، وتنظيم الانتخابات على أساس «قوائم وطنية» تلغي القوائم الطائفية والدينية، التي أدت إلى تقسيم البلاد وتمزيق النسيج الاجتماعي، وكلها مؤشرات على العمل الجاد لتخليص العراق من الهيمنة الخارجية، وإن كان ذلك ليس بالأمر الهين، فالجميع يعرف أين وصل التغلغل الإيراني في الحياة السياسية العراقية، وتوظيف ذلك الحضور والتأثير في الصراع الإقليمي.

والسعودية، صاحبة التجربة المميزة في محاربة الإرهاب، والخبرة المتراكمة في التعامل مع المجموعات القتالية، وقدرتها على الانتقال من موقع إلى آخر، تدرك مخاطر إتاحة الفرصة لتلك الأفكار للانتقال إلى بيئات أخرى حاضنة لنشاطها، وتسمح لها بترتيب أوراقها وتجديد عملياتها، ولهذا بادرت، منذ فترة، إلى دعوة الأفارقة إلى ضرورة التعاون لمواجهة هذا التحدي، وعملت على تأسيس التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب، وهو تحالف يضم أكثر من 40 دولة معظمها في أفريقيا.

وهذا التحالف، الذي تقوده السعودية، قام على قناعة بأن الجهود المنفردة، مهما كانت قوتها، لا يمكنها مواجهة الإرهاب واجتثاث جذوره، وخصوصاً إذا أدرك الجميع أنه يجد أرضاً خصبة في البيئات المحرومة، ضعيفة التنمية، التي يتعلق شبابها بأي شعار يتوهمون أنه سبيلهم للخروج من حال الحيرة التي يعيشون فيها، ويذهب كثير من المهتمين بقضايا الإرهاب ودراسة واقع البيئات المرشحة لاستقبال عنصر المجموعات القتالية الفارة من منطقة الشرق الأوسط، إلى أن أفريقيا قابلة لأن تكون «مسرحاً» مستهدفاً من المجموعات الإرهابية والخارجين على القانون، بعد أن ضاقت عليهم المناطق التي انسحبوا أو طردوا منها، فالحركات المتطرفة تستغل هشاشة الأمن والنزاعات العرقية وفشل التنمية وسوء توزيع الثروات في القارة، لتشعل فتيل النعرات الطائفية والعرقية والإثنية، وأفريقيا قد تكون «بيئة جاذبة» لهؤلاء المقاتلين، بعد أن تحكمت طالبان في النشاط المقاوم للدولة في أفغانستان، ولا تقبل أن تشاركها أي حركة لا تنضوي تحت لوائها، وهو الأمر الذي لا يفضله قادة «داعش»، الذين استطاعوا أن يجدوا لهم مناصرين معجبين بشراستهم ودمويتهم.

وأفريقيا «الهشة»، بمكوناتها البشرية وصراعاتها العرقية ومشكلاتها التنموية، ستكون «هدفاً» محتملاً لانزياح بقايا الإرهابيين إليها، لاسيما أن لهم مواقع أقدام في أكثر من موقع فيها (شمال مالي ونيجيريا وشرق القارة)، وإذا لم يبادر العالم إلى معالجة الأسباب، فإن الأمر سيستفحل، وتستغله أطراف إقليمية ودولية لاستمرار هدر الطاقات وتبديد الأموال.

وقد أثبتت التجارب الواقعية أن مواجهة الإرهاب لا تتم، بصورة ناجعة، إلا إذا تصدى له تحالف دولي يحاصره، مالياً وعسكرياً وأمنياً وثقافياً، في إطار من قوانين تساعد على ملاحقة أهله ومن يناصرهم أو يتعاطف معهم، ويعمل على معالجة الأسباب التي تدفع الشباب إلى الوقوع في أحضان المنظمات والمجموعات الإرهابية. وما نشاهده من قوافل الهجرات غير الشرعية إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، تعبيرٌٌ عن مشكل تنموي جعل أولئك الشباب يرمون بأنفسهم إلى الموت في البحر، وهناك ملايين مثلهم لن يترددوا في مواجهة الموت إذا وفّر لهم «داعش» وأمثاله العيش، ومن هنا تصبح مواجهة الإرهاب في أفريقيا معقدة مركبة، فيها السياسي والقانوني والتنموي، ومواجهة هذه القضية تتطلب تعاوناً دولياً لا يقتصر على الدول، بل تسهم فيه الهيئات والمنظمات الدولية العاملة في مجال التنمية والمساعدات الإنسانية ضمن منظومة تشمل: الأمن والاقتصاد والتنمية والتعليم الديني والوعي الثقافي وإزالة الفوارق وتنمية الريف، لتخفيف الضغط على المدن المكتظة سيئة الخدمات بل معدومة الخدمات.

على الدول الكبرى، أوروبا بشكل خاص، أن تدرك حجم الخطر على أمنها وركائز ثقافتها ومبادئ نظمها السياسية وقيمها الاجتماعية، إذا استفحل الإرهاب في الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، وإذا لم تتحرك للتعاون مع الآخرين لمعالجة «جذور» المشكلة، فإن الخطر سيتعاظم وتتسع رقعته وتتعقد حلوله، وتصبح نتائجه كارثية تمتد آثارها إلى دوائر أوسع، وعلى الهيئات والمنظمات والمؤسسات التنموية الدولية والإقليمية مساندة جهود الدول لمواجهة الإرهاب، لأن العنف إذا تمدد واتسعت دائرته وتزايدت الأعداد المتأثرة به، سيلحق الضرر بجهود تلك المؤسسات، ويضعف قدرتها على تنفيذ مشاريعها الهادفة إلى تحسين معيشة المجتمعات النامية، ومساندة الدول على تنفيذ برامجها وخططها التنموية، وسيدفع إلى تراجع حضورها وسعيها لتمكين المجتمعات. والخلاصة.. بعض البيئات الأفريقية مرشحة لأن تكون حاضنة للمجموعات الإرهابية الفارة من الشرق الأوسط، ومبادرة المجتمع الدولي (دول ومنظمات دولية ومؤسسات تنموية) إلى التعاون لتحسين حياة الأفارقة ستكون عاملاً فعالاً في «تفويت» الفرصة على الإرهابيين. معالجة أسباب احتضان الإرهاب يجفف منابعه ويقصر من عمره.

 

 

* كاتب سعودي.

 

mohalfal@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة