|   

النسخة: الورقية - دولي

إذا وصفت الحرب الدموية في غزة عام 2007 بالانقلاب، فإن المشهد الذي حمل رئيس الحكومة الفلسطينية رامي الحمد الله إلى القطاع لا يمكن إلا وصفه بالانقلاب المضاد. بدا أن رفع صور الرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في شوارع المدينة واقعة لافتة تختصر التحوّل الجذري الذي طرأ على مزاجي القطاع والمسرح الإقليمي برمته. وبعيداً من الأبجديات العاطفية التي واكبت تفاهمات القاهرة وحقنت التوق إلى المصالحة بجرعات شعبية غزية عالية، وعن حسابات «حماس» وقراءاتها في استثمار هذا الصلح، فإن الحركة الإسلامية تستسلم من خلال هذا الاتفاق لديكتاتورية الجغرافيا وتذعن للشروط التي فرضتها موازين القوى على قطاع غزة وحكامه كما على الإسلام السياسي برمته.

ولئن كانت العوامل الخارجية ضاغطة في السابق لتقويض الاتفاقات التي أبرمت بين السلطة و«حماس»، فإن اتفاق القاهرة لا يعكس فقط تفوّق النفوذ المصري في الداخل الفلسطيني على ما عداه، بل يؤكد تراجع نفوذ الآخرين في قدرته على العبث بالمشهد الفلسطيني. ولا يبدو بما توافر من المعطيات أن النفوذ الخارجي الذي تملكه دول كتركيا وإيران وقطر لدى «حماس» قادر على تعطيل خيارات القاهرة، كما لا يبدو أن هذه الدول تملك أن تعطّل ما بات، على ما يبدو، توافقاً فلسطينياً مصرياً دولياً على إغلاق ملف الانقسام.

لقد سوّقت الحركة منذ 2007 نفسها بصفتها البديل المقاوم لـ «سلطة خانعة» والخيار النزيه لـ «حكم فاسد». وهي فاخرت منذ انطلاقتها عام 1987 بأنها الفرع الفلسطيني لحركة الإخوان المسلمين، ومنذ 2011 بأنّها الامتداد الفلسطيني للحالات الإخوانية في العالم العربي.

لكن منطق الجغرافيا والتاريخ الذي يصل قطاع غزة بمصر، هو نفسه يقضي بعدم ربط مصير فلسطين بمصائر دول كتركيا وإيران. و«حماس» ناورت بصعوبة وانتهازية في اللعب على وتر الإسلام السياسي السنّي الذي تمثله العلاقة بتركيا ووتر الإسلام السياسي الشيعي الذي تمثله العلاقة بإيران. وكانت سوريالية محاباة نظام الأسد ثم الانقلاب عليه ثم التوسط للعودة أخيراً إلى أحضانه. وكان صبيانياً التقرّب من السعودية والاستخفاف بخيارات المملكة الإقليمية لاحقاً. بدا، في دوائر جماعة الإخوان، أنّه يحقّ ل«حماس»، بسبب فلسطينيتها، ما لا يحقّ لغيرها، وبدا أن «حماس» التي طالما همّشت «الوطنية الفلسطينية» لمصلحة أممية إسلامية متخيّلة، تعود من خلال تفاهمات القاهرة للاستظلال بفلسطين وحدها مبرراً شرعياً وحيداً لوجودها وديمومتها.

يدخل رامي الحمد الله إلى غزة دخول الفاتحين. تعبّر جموع الغزيين التي احتشدت مرحبة برئيس الوزراء الفلسطيني عن توق القطاع بعامته قبل نخبهِ للعودة إلى حضن فلسطين الأصيل. وقد لا تكون «حماس» نفسها بعيدة عن دفع شارعها للتعبير عن هذا المنحى وهي التي تبدو مهرولة للصلح إلى درجة تخوين من يحول دونه، على ما تشي تصريحات يحيى السنوار رئيس الحركة في القطاع.

تدرك قيادتا السلطة و«حماس» أن أمر الاتفاق شأن متعلق بالأمن القومي المصري، وأن هذه الحصرية في التدخل في الشؤون الفلسطينية، وفق تعبير الرئيس الفلسطيني محمود عباس، هي مآل طبيعي يتّسق مع تاريخ مصر وفلسطين، لكنه أيضاً يعبر عن مشهد دولي إقليمي مستحدث سلّم مصر مفاتيح الملف الفلسطيني.

ولم يكن القيادي الفلسطيني محمد دحلان وتياره داخل حركة فتح بعيدين من تفاهمات القاهرة.

في العاصمة المصرية من يقول إن تلك التفاهمات ما كانت لتتم لولا المناورة التي قام بها دحلان متحصناً برعاية إماراتية- مصرية باتجاه حركة «حماس». حرّك الأمر مياهاً راكدة داخل «حماس» نفسها وأثار جدلاً داخل أروقة القرار الحمساوي، لكنه كشف أيضاً تبدل طباع الحركة وارتفاع جرعات البراغماتية لديها.

وفي رام الله من يقول إن الاندفاعة التي أظهرها دحلان باتجاه «حماس» أيقظت «المقاطعة» كما بارونات اللجنة المركزية لحركة فتح على حسابات أخرى بدا أن العالم برمته بات يعتمدها. بدا دحلان رقماً أساسياً في غزة يعرف بعناية حدود مناوراته ونجاعتها، ويعرف بدقة حدود ما يملكه في تحقيق ما لم يتم تحقيقه خلال 11 عاماً. وقد لا يكون من المبالغة استنتاج أن توليفة دحلان هي التي دفعت إسماعيل هنية ومحمود عباس إلى طرق أبواب القاهرة بجدية نادرة لتجاوز قطيعة باتت من كلاسيكيات المشهد الفلسطيني التي تؤسس لقيام كيانين ومصيرين منفصلين.

على أن هذا النجاح المصري بامتياز تعوزه عوامل الديمومة. تعلن «حماس» وتكرر أنها ستسلم القطاع لحكومة الوحدة الوطنية. يريد محمود عباس سيادة حكومية كاملة على القطاع، لا سيما في مجالات الأمن والمعابر. وفي ما ترومه «حماس» وما تطمح إليه السلطة ما قد يستدعي المثال اللبناني الذي يعرض على نحو فجّ ذلك التعايش المقيت بين الدولة والدويلة التي يمثلها حزب الله. لا يريد عباس نموذجاً لبنانياً في سلطته، ومن الصعب تصور أن تسلم «حماس» سلاحها إلى «دولة» السلطة. وفي ذلك التفصيل، وهو ليس تفصيلاً لمن يخضع لاحتلال ويقارعه بكافة الوسائل، تكمن شياطين ألغام قد تفخخ تفاهمات القاهرة الفتية.

غير أن في فلسفة تفاهمات القاهرة كثيراً من الواقعية. فللتفاهمات مصلحة مصرية تختلف عن مصالح فتح و«حماس»، والحكمة تكمن في تقاطع المصالح. قد تبدو التفاصيل الإدارية المتعلقة بإدارة الناس والموارد أكثر تعقيداً من مسألة سلاح «حماس». ولن يكون «سلاح المقاومة» عقبة بوجه الوحدة الفلسطينية الكاملة. في القاهرة كما في باريس وواشنطن من سيفهم أن ذلك السلاح ليس شأناً فلسطينياً كما هو سلاح حزب الله الذي لم يعد شأناً لبنانياً. يبقى أن منطق الدولة لا يستقيم مع منطق الدويلة وأن الفشل اللبناني لا يجب أن يكون مظلة لفشل فلسطيني محتوم في هذا الشأن. أهدى المصريون فلسطين وحدة بقي أن على الفلسطينيين صون الهدية وحمايتها.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة