|   

النسخة: الورقية - دولي

لأن أزمة قطر «صغيرة جداً» بالنسبة للتحديات التي تواجه الدول الأربع: السعودية ومصر والإمارات والبحرين، فإن الدوحة اختارت أن تكون طرفاً في كل معضلة تواجه الدول الأربع مجتمعة، أو أياً منها منفردة؛ لعل ذلك يجعل الدول الأربع تتراجع وتعتبر الأزمة «كبيرة جداً». ولأن الدول الأربع لا تبدو متأثرة بمقاطعة قطر وتمارس شؤونها الحياتية بصورة اعتيادية، فإن منصات الإعلام القطري تزج بالدوحة في كل مشروع يفتتحه مسؤول في دول المقاطعة، وكل مباراة كرة يلعبها فريق في القاهرة أو الرياض أو أبو ظبي أو المنامة! وكذلك بالطبع لا تُفوّت القنوات، التي تبث من الدوحة أو لندن أو إسطنبول، فرصة قرار محلي يخص مواطني وشعوب دول المقاطعة، من دون أن تسعى إلى إفشاله أو إقناع الناس أنه صدر للنيل من حرياتهم أو التأثير في حياتهم، أو الانتقاص من مكاسبهم وأرباحهم. فما بالك إذا أتت دولة من دول المقاطعة وصارت محل اهتمام المجتمع الدولي، أو استقطب حدث فيها اهتمام الإقليم المحيط بها، أو صارت لاعباً رئيساً في قضية يتابعها العالم، أو تحظى بمتابعة من زعماء دول أخرى، عندها تُجيِّش قطر آلاتها الإعلامية ومواقعها الإلكترونية لإفساد ما يمكن إفساده وإرباك الناس بطوفان الأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة، بهدف إرباك المشهد والتأثير فيه، ومحاولة إثبات أن الدول الأربع مخطئة في كل شيء، سواء في إدارتها لأمور شعوبها أو تعاطيها مع العالم الخارجي.

ولا يبدو أن الدول الأربع مكترثة بما تمارسه الدوحة من تخريب أو إفساد أو شطط، فهي تواجه معضلات السياسة من دون النظر أو الالتفات إلى أمواج الكذب وأمطار التزييف وشظايا الفبركات التي تغرق بها الدوحة العالم، وكلما استمر التجاهل زاد الهجوم القطري؛ ربما لأن نظام الحكم هناك يصدق أن أسلوباً كهذا سيدفع بدول المقاطعة إلى طلب كف الأذى والخضوع للابتزاز والتراجع عن اعتبار أزمة قطر صغيرة وتعيد حساباتها لتراها أزمة كبيرة تستوجب منها العودة عن الإجراءات التي اتخذتها لوقف دعم قطر للإرهاب!

يبدو الأسلوب القطري مشابهاً تماماً للسيناريو الذي اتبعته جماعة الإخوان المسلمين في مصر، عندما ثار الشعب المصري ضد حكم الجماعة، واستجاب الجيش لإرادة الجماهير وأبعد محمد مرسي عن المقعد الرئاسي، فالتخريب الذي مارسه الإخوان في الشوارع والعنف الذي ارتكبه أعضاء الجماعة ضد كل فئات الشعب، وكذلك بالطبع ضد الجيش والشرطة والمؤسسات، بالتوازي مع الحملات الإعلامية الممنهجة والهجوم المستمر من فضائيات الدوحة ولندن وإسطنبول لم يجعل الشعب المصري يتراجع عن موقفه من الإخوان، ولم يدفع بالسيسي إلى طلب الصلح مع الجماعة. وكما فقد الإخوان تأثيرهم في الشارع المصري، وإن ظلوا يحتفظون بحلفاء في دول غربية، فقدت الحملات القطرية ضد الدول الأربع تأثيرها، وإن ظلت الدوحة أيضاً تعتمد على حلفاء في أجهزة غربية ظلت على مدى سنوات تنسق معها لتنفيذ سياسات أفضت إلى الربيع العربي الذي أتى بالإخوان إلى واجهة الصورة، ومنح قطر آمالاً في ممارسة أدوار لم يكن متصوراً أن تضطلع بها إلا إذا عانى محيطها الخراب والفوضى.

صارت الشعوب أكثر خبرة بأساليب النشطاء ونظريات المراكز البحثية وبيانات المنظمات الحقوقية وأهداف وسائل إعلام جرى اختراقها وسرطنتها. أما هؤلاء المحسوبون على النخبة السياسية، ممن ارتضوا السير في الركب ويجلسون في الغرف المغلقة خلف أجهزة الكومبيوتر ليضخوا طاقة سلبية، فأمرهم محسوم بين الشعوب التي تعرف أن هذا الناشط أو ذاك يمارس المهمة في أريحية تامة، يسب ويلعن ويتجاوز ويشتم من مكتبه أو فندقه أو بيته، ولو كان الناس صدقوه ونفذوا ما يقوله لصاروا هم في خيمة إيواء وهو خارج الخيمة يكتب على الرمال!!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة