|   

النسخة: الورقية - سعودي

< تحولات رئيسة طرأت على المشهد المتأزم في الخليج العربي خلال الأسبوع الماضي، الأول يتعلق باندلاع الشرارة التي دفعت الدول العربية إلى التصعيد مع قطر، فمع شدة الحملات الإعلامية التي أظهرت جدية الأزمة وعمقها، كان ينتظر من الدوحة المبادرة إلى التهدئة وإظهار النوايا الحسنة بأنها ستعمل «مجدداً» ضمن المنظومة الخليجية، وتجلت تلك الطموحات باحتواء الأزمة مع توجه أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الكويت، لكن في الكويت كانت المفاجأة، فالشيخ تميم لم يأت لغرض تخفيف حدة التوتر، والملفات التي اصطحبها معه كانت لإقناع الكويت بأن الإمارات العربية المتحدة، وتحديداً الشيخ محمد بن زايد يتآمرون على قطر، وأن التحرك الخليجي - العربي ما جاء إلا بجهد إماراتي، لغرض عزل الدوحة ومحاربتها.
هكذا كان الاعتقاد القطري، إن شرارة الحملة كانت من الإمارات وإنها رأس حربة التطورات الأخيرة، واستمرت قطر على هذا الاعتقاد، ولعل هذا ما دفعها إلى المكابرة، بجانب شعورها بأنها أخذت على حين غرة في خضم تسارع وتيرة الأزمة، وتطورها لذلك سعت حثيثاً لتحييد السعودية عن الخلاف، وجميعنا يذكر كيف كانت قطر تتحاشى ذكر السعودية إلا بالهمز، لكن ذلك الاعتقاد لم يطل كثيراً، فتغريدتين للرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت كافية لقطر لتستوعب أن الموضوع ليس إماراتياً قطرياً، بل هو إقليمي دولي.
هنا عاد الارتباك مرة أخرى إلى الدوحة بعد أن ثبت عجزها عن قراءة المشهد، وظهر ذلك في البيان الذي أصدرته وفيه تتحدث عن مؤامرة تستهدف الشعب القطري، ومن ثم بدأت في تحريك آلتها الإعلامية للرد على تورطها، لكن ذلك لم يكن كافياً، فالدوحة كانت تعول كثيراً على الكتاب السعوديين المستأجرين، الذين كانت تغدق عليهم لمثل هذا الموقف، وبالمثل على الدعاة والمشايخ الذين سعت لتعظيمهم وإثرائهم، لتفاجأ بانسحابهم من الساحة وتركها وحيدة، عموماً ذلك غير مستغرب فهم لم ينفعوا بلادهم فلا نتوقع أن ينفعوا دولاً أخرى، لكن بغض النظر عن ذلك، واصلت الدوحة ارتباكها السياسي، فخرج وزير خارجيتها بحديث أقرب إلى الخيال، ليعلن من خلاله عن أنه لا علاقة لبلاده بالإخوان المسلمين، وأن قطر لا تتعامل مع تنظيمات بل مع حكومات فقط، في وقت يجمع فيه المراقبون والسياسيون على أن هذا الحديث غير صحيح، فالدوحة لا تدعم الإخوان فقط، بل تحتضنهم وعملت وما زالت على تعزيز وجودهم وتقوية شوكتهم. أعقب ذلك مشهداً أكثر ألماً لمنطقة الخليج، إذ وصلت عناصر إيرانية إلى الدوحة تحت مظلة تدريب الجيش القطري، تزامن ذلك مع زيارة قام بها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى أنقرة، أعقبها بيوم أو يومين المشهد الأكثر إثارة ألا وهو موافقة البرلمان التركي على تشريع لنشر قوات تركية في قطر، وبينما كان الإعلان ينتشر بالقنوات الفضائية، رفعت الدوحة درجة استعدادها القصوى واستدعت 16 دبابة من نوع ليوبارد لنشرها على الحدود مع السعودية، ليعقبها بعد ذلك التلويح بالانسحاب من مجلس التعاون!
النوايا القطرية بهذا المشهد باتت واضحة ولا تحتاج إلى خبرة كبيرة لقراءتها، فالدوحة تعمل على تدويل الأزمة لمعرفة ما الذي يمكن أن تتحصل عليه، وأملاً باستغلال صداقاتها في الخارج، لكن ما فاتها أن تلك الصداقات لا ترتقي ولا تعادل حجم صداقات السعودية والإمارات مع المجتمع الدولي، لذلك اكتفت بتكليف إعلامها بالرد على الاتهامات المتورطة بها، وفي خط مواز قدمت كل ما يمكنها لسلخ شعبها من منظومة دول المجلس، إذ صورت أن الحصار وسحب السفراء يستهدفهم مباشرة ويحارب نهضتهم، وشوهت بالدول المجاورة وشعوبها، واتهمتهم بأنهم أساءوا للقطريين، وبأن السعودية تحديداً تحاصر الحجاج والمعتمرين، والغرض من ذلك من وجهة نظري هو تبرير أي سياسة جديدة تنتهجها قطر لمحاربة أشقائها، إذاً المخطط جاهز للتنفيذ والمحور اكتملت أضلاعه، بتركيا وإيران ومعهما قطر وجار العمل لإضافة العراق بانتظار التزكية الروسية، ومع تشكل مثل هذا المحور يبقى سؤال حائر، ما الذي ينتظر المنطقة في ظل هذه الأزمة؟
لا شك في أن الدوحة ستسعى لإطالة أمل الأزمة «بالصمود والتصدي» بلغة الحركيين ممن تأويهم لغرض تخفيف الشروط، أو لتوفر أجواء تتحكم بالتطورات، بيد أنه مع هذا الظرف لا يوجد لها الكثير في ظل ارتباك السياسة القطرية، فأميركا دعت الشيخ تميم لزيارتها، لكنه أدرك أن بذهابه سيقع في المصيدة الأميركية التي سترغمه على الانصياع لشروط قد تفوق الشروط العربية، ومع إدراك البيت الأبيض لذلك أعاد فتح خط الوساطة الكويتية، وهذا بحد ذاته قد يمنح بعض الطمأنينة لقطر، لكن يبقى الأمر مرتهناً برحلة وزير الخارجية إلى موسكو، فالروس ما زالوا متحفظين، على رغم أن تصريحاتهم تميل قليلاً إلى الموقف القطري، لكنهم حتى الآن لم يحسموا أمرهم، تبقى لدينا أردوغان، فالوجود التركي في الدوحة، الذي استجدته أرواح الضحايا على حدودها مع سورية على مدى الأعوام الستة الماضية ولم تستجب له هو نوع من أنواع الاستعراض و«الهياط» الأردوغاني، لأنه سيستنتج لاحقاً أن حدوده أولى بتلك الجنود، بينما الثابت أن قطر لا يوجد من يهددها عسكرياً، وكل مافي الأمر انها تأئهة بين الطربوش التركي والعمامة الفارسية.


saud_alrayes@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة