|   

النسخة: الورقية - دولي

هل سمعتم بمصطلح «السلطوية الليبيرالية»؟

لست خبيراً في المصطلحات السياسية، لكن هذا المصطلح جديد تماماً عليّ، وغريب في الوقت نفسه، بسبب من التناقض الصارخ الذي يتضمنه، فالليبيرالية هي النقيض الكامل للسلطوية. ومع ذلك فإن هذا المصطلح ورد في مقالةٍ لكاتبة تونسية وُصفت بأنها خبيرة في الشرق الأوسط، اسمها سمية الغنوشي، وجاءت المقالة بعنوان: «ليبيراليون خليجيون دون ليبيرالية»، ولا أعرف أين نشرت المقالة أولاً، لكن مواقع عربية احتفت بالمقالة وأعادت نشرها، ومنها موقع «عربي 21» المحسوب على قطر الشقيقة.

المقالة برمتها تتمحور حول فكرة واحدة جاءت في الأسطر الثلاثة الأولى منها، وهي أن دول الخليج، وخصوصاً المملكة العربية السعودية، تبنت نوعاً من «الليبيرالية الجديدة على صعيد الثقافة والاقتصاد، ولكن من دون ليبيرالية على مستوى السياسة وشؤون الحكم، بل إن هذه الليبيرالية الثقافية والاقتصادية يتم اللجوء إليها هرباً من الاستحقاق السياسي، وإضفاء جرعة من الليبيرالية السياسية»، كما ورد في النص.

مقالة سمية الغنوشي وصلت إليّ من صديق، ومن هذه المقالة بدأت التعرّف على شخصيتها، وهي كما يبدو من صورها على موقعها الشخصي سيدة شابة محجبة، فهي ابنة رئيس حركة النهضة الإسلامية (الإخوانية) راشد الغنوشي، لكنها مؤمنة بالليبيرالية، كما تقول مقالتها، واعتراضها الوحيد هو أن التغييرات التي حدثت في السعودية جاءت فجائية وعشوائية وغير متوازنة، كما تقول، كما أنها ترى أن الليبيرالية يجب أن تأتي متكاملة بكل عناصرها، بما فيها السياسي. والمثير للدهشة أن الكاتبة تستقي معلوماتها وأحكامها من مصادر غير سعودية وغير خليجية في شكل واضح. وأكاد أجزم أنها لم تقرأ صحيفة سعودية أو خليجية من قبل، وربما لم تقرأ لكاتب من هذه المنطقة من العالم العربي، فهي تزعم أن السعودية تمنع اختلاط الجنسين، في أقدس بقاع الأرض، في الحرم المكي الشريف، وطبيعي أنها لو أدت فريضة الحج أو زارت مكة المكرّمة للعمرة، أو حتى كلّفت نفسها مشاهدة البث المباشر من الحرمين الشريفين على مدار الساعة، لما كتبت ما كتبت على أنه حقيقة لا تقبل النقاش، كما أنها في موضع آخر لم تفرق بين جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحكومي، وبين المجتهدين المحافظين الذين نسميهم المحتسبين، حين تقول إن قوات الأمن تمنعهم من التدخل في احتفال فني أو ثقافي، وهي بالفعل لا تعرف، لأنها - كما هو واضح - تنقل من مصادر غربية تتبنى هذا الفهم الملتبس.

لقد تعودنا من الغرب أنهم لا يرضيهم أي تقدم تحققه بلادنا، وأنهم يستمرون في المطالبة بالمزيد، حتى نصل إلى المقاييس التي وضعوها هم للقيم والأخلاق والنظام السياسي والاقتصادي. كما أننا تعودنا على ألا تؤثر هذه المطالبات بالمسارات التي اخترناها لتحقيق التنمية الحقيقية لبلادنا، منطلقين من التوجيه القرآني: «وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ»، لكن من غير المقبول بالتأكيد أن يأتي عدم الرضا، الذي يصل إلى التدخل المباشر في حياتنا من أشقائنا العرب، الذين نظن أنهم أقرب معرفة بنا، عدا أن هؤلاء الأشقاء لا يملكون نموذجاً يحتذى في الليبيرالية السياسية التي تنتج منها تنمية حقيقية.

ربما لم تحظ المملكة العربية السعودية بـ«نعمة» الاستعمار التي حظي بها أشقاؤنا في البلاد العربية الأخرى، والتي ساعدتهم في تجاوز «المسافة الضوئية» للعبور إلى الضفة الأخرى، وصولاً إلى الليبيرالية السياسية والثقافية والاجتماعية، بحسب وصف السيدة الغنوشي. لكن السؤال هو: ما الذي تحصل عليه الأشقاء العرب على هذه الضفة في مقابل ما تحصلت عليه المملكة ودول الخليج الأخرى، التي لم تصل بعد؟ والسؤال الآخر هو: ما الذي تحقق لهذه الدول العربية من تنمية في مقابل ما حققته دول آسيوية بدأت في الفترة نفسها بدايات هي أقل من أن توصف بالليبيرالية السياسية؟

لي كوان يو مؤسس سنغافورة الحديثة استحوذ على الحكم مدة لا تقل عن 20 عاماً، وسحق معارضيه، وكذلك فعل مهاتير محمد في ماليزيا (للمناسبة اسمه الأصلي المحضار، فهو من أصول يمنية)، وكوريا الجنوبية عاشت بعد الاستقلال تحت حكم عسكري ديكتاتوري صارم حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وتحت هذا الحكم غير الليبيرالي سياسياً بدأت النهضة الاقتصادية وتطوير الصناعات، وبالتأكيد فإننا لا يمكن أن نصنف حكم الحزب الشيوعي الصيني بالليبيرالية السياسية أو الثقافية، ومع ذلك فإن الصين هي على ما هي عليه من كونها من أقوى اقتصادات العالم ليبيرالية. وهذه التجارب كلها بدأت في الفترة نفسها أو أنها أعقبت ظهور واستقلال الدول العربية الحديثة التي ابتليت إما بالقائد الضرورة وإما بالانقلابات العسكرية، فلم يتحقق لها من الليبيرالية السياسية إلا صراعات الأحزاب في البرلمانات. تخيلوا فقط ما كان يمكن أن تصل إليه مصر وسورية والعراق وليبيا، وحتى لبنان، وما هي عليه هذه البلاد الآن.

أجزم أن التجربة التونسية أفضل من غيرها، على الأقل من حيث القدرة على الخروج من فوضى الربيع العربي التي أطلق شرارتها شاب تونسي، وذلك يرجع إلى رسوخ وقوة تجربة مؤسسات المجتمع المدني، لكنها قبل ذلك عاشت سنوات طويلة في ظل «المجاهد الأكبر» وبطل الاستقلال الحبيب بورقيبة رحمه الله، وسنوات أخرى في ظل انقلاب عسكري سيطر على البلاد ومواردها، حتى أخرجته ثورة الياسمين، ومنذ ذلك الحين والبوصلة ضائعة، فلا حلول للمشكلات القائمة ولا رؤية تحدد المسار وتعطي الأمل للأجيال الجديدة.

مقالة سمية الغنوشي هي أنموذج لكتابات وتصريحات وعنتريات كثيرة من بعض أشقائنا من عرب الشمال، أو كما كان يسميهم هيكل «عواصم المركز»، وهؤلاء في الغالب تغلب عليهم نزعة النظرة الفوقية إلى الآخرين، وخصوصاً من سكان الصحراء، فليس بعيداً منا ذلك «المثقف»؛ الذي زعم أنه لا ثقافة ولا حضارة في جزيرة العرب، وأن سكانها هم من «سراق الإبل»، وليس بعيداً منا تصريح الزعيم السياسي اللبناني وليد جنبلاط، الذي ينصحنا بعدم الإقدام على تخصيص شركة «أرامكو» السعودية، لأنها ملك للعرب جميعاً! بينما هذا الزعيم لم تفلح الليبيرالية السياسية التي يتمتع بها بدرجة متفوقة في إنقاذ القرار السياسي في بلاده من الارتهان لمعممي إيران، كما لم تفلح هذه الليبيرالية في تنظيف بيروت، أجمل مدن الدنيا، من القمامة المتراكمة.

نقول لأشقائنا العرب الأعزاء من الحزبيين والثوريين والتقدميين والوحدويين والإسلاميين: لقد قطعنا مسافة ضوئية بالفعل، وإن لم تريدوا الاستفادة من تجربتنا فدعونا وشأننا، فنحن أقرب منكم إلى نموذج الحكم الرشيد، ونحن ماضون في طريقنا للتفوق في إحداث النمو الاقتصادي والثقافي من دون تسميات، ولا حاجة لنا إلى ليبيرالية سياسية كالنماذج التي لديكم.. أعانكم الله.

 

 

* كاتب سعودي

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available