|   

النسخة: الورقية - دولي

سيمر وقت طويل قبل أن يتبين المتابعون الخيط الأبيض من الخيط الأسود في العملية المعقدة التي أدت إلى الحدث العراقي بطبعته الجديدة التي أطلقت سيلاً من التكهنات حول الجهة، أو الدولة، أو الأجهزة التي تقف وراء هذا الانتشار الواسع لتنظيم «داعش» في مناطق عراقية واسعة.

فالدينامية التي سارت فيها التطورات في بلاد الرافدين تبدو في الكثير من الأحيان عصية على الفهم والتفسير: ما هو الخيط الفاصل عراقياً بين «داعش» وبين العشائر السنية المتمردة على تفرد رجل طهران نوري المالكي وجنوحه الفاقع نحو المذهبية طوال 8 سنوات من الحكم الذي أثار أيضاً قيادات شيعية رئيسة وجيش النقشبندية الذي يقوده نائب الرئيس العراقي السابق عزت الدوري وضباط الجيش العراقي السابق المسرّحين منذ عام 2003 والذين توزعوا على تنظيمات عدة بما فيها «داعش»؟ وأين هو دور إيران وسورية اللتين عقدتا صيغة وثيقة من التعاون مع «داعش» للإفادة منها في الحرب السورية من أجل شيطنة المعارضة المعتدلة ووصم المعارضين بالإرهاب وإفقادهم الحجة أمام دول الغرب؟ وما هو الدور التركي في العلاقة مع هذا الخليط المتمرد على المالكي وحكمه المذهبي؟

وإذا كان استسهال المالكي اتهام المملكة العربية السعودية بدعم «داعش» يأتي في سياق عدم الحرج عنده من أن يواجه التمرد السني بالاستنفار الشيعي من حوله، فإن الرياض لم تكن تخفي رفضها سياساته الفئوية والمذهبية وتعاطفها مع المحتجين على هذه السياسة منذ سنوات. فالتداخل بين التنظيم، الذي صنفته السعودية على لائحة الإرهاب، وبين الانتفاضة في المناطق السنية ضد حكمه والهيمنة الإيرانية على قراره، يسمح لرئيس الوزراء العراقي بأن يلقي التهم على هذا الشكل مستفيداً، كما يفعل بشار الأسد في سورية، من الفوضى التي اصطنعتها الاستخبارات السورية والخيوط الإيرانية في الساحة الواحدة الممتدة من العراق إلى سورية ولبنان، والقائمة على اختراع عدو إرهابي، ليطغى على الصراع الدائر بين كل من النظامين السوري والعراقي وبين الخصم الفعلي المناوئ لاستبداد حكام ديكتاتوريين وظيفتهم حفظ نفوذ طهران في الدول التي تمتد على مساحة هذه الساحة المشرقية الشاسعة. هكذا يصبح الاعتراض على الهيمنة الإيرانية دعماً للإرهاب ولـ «داعش».

يحتقر المالكي والأسد وداعموهما في إيران عقول العارفين بأن التشكيلات السنية المتمردة في سورية والعراق قاتلت «داعش» وقبلها «القاعدة» قبل أن يدّعي الأسد والمالكي والقادة الإيرانيون مقاتلتها.

وهم يحتقرون العقول حين يستجيرون بدول العالم، وصولاً إلى الطلب من الولايات المتحدة الأميركية المساعدة في التخلص من الإرهابيين، بحجة إسقاطهم الحدود، كأن لا ذاكرة عند الناس بأن ما أسقط الحدود منذ بداية عام 2013 هو هذا النفير العام الذي دقته طهران داعية ميليشيات «حزب الله» والعديد من التنظيمات العراقية والمقاتلين الأفغان الهزارة إلى خوض الحرب في سورية، في أبشع صورها، باعتبارها دفاعاً عن العاصمة الإيرانية نفسها. وهو ما برر إبقاء هذه الحدود مفتوحة أمام هؤلاء من كل الجبهات، لا سيما اللبنانية- السورية والعراقية- السورية براً وجواً، مقابل فتح أنقرة الحدود التركية السورية لمعارضي الأسد، بعد إسقاطه خيار الحل السياسي بالبراميل المتفجرة والمجازر والكيماوي والتنظيف الديموغرافي... وصولاً إلى إعلان سقوط صيغة جنيف-1.

استعارت طهران وحلفاؤها صيغة «الفوضى الخلاقة» التي كانت تتهم واشنطن باعتمادها، متناسية أن الأسلوب الأميركي هذا أدى في كثير من الحالات إلى إفلات عملية إدارة هذه الفوضى من السيطرة وانقلابها على أصحابها. والأرجح أن الإدارة الأميركية تترك للآخرين أن يتخبطوا هم في ما سبق أن وقعت فيه، مع فارق القدرة على استيعاب الخسائر والأضرار.

في هذه الفوضى التي تتراوح بين الحرب المذهبية والتقسيم وتثبيت مناطق النفوذ بين المتناحرين المحليين والإقليميين، تتركز عين الغرب على المفاوضات حول الملف النووي الإيراني التي تواجه صعوبات تجعل من موعد انتهائها المفترض في 20 تموز (يوليو) المقبل حداً فاصلاً بين ضبط الفوضى الإقليمية القائمة التي يسعى كل فريق إلى الإفادة منها في العملية لتحسين مواقعه في المرحلة التالية من البحث في الأزمات الإقليمية، وبين استمرارها. وهو موعد معرض للتمديد.

وفي هذه الساحة المفتوحة سيبقى الصراع على السلطة هو جوهر المشكلة لا سيما في بغداد ودمشق.

لكن السؤال يبقى حول لبنان الذي وجدت القوى الإقليمية وسيلة تبقي عليه واحداً من ميادين الساحة المفتوحة من دون أن يذهب به الصراع على السلطة إلى الفوضى الكاملة، عبر تسوية على تشكيل الحكومة اللبنانية منتصف شهر شباط (فبراير) الماضي، بقيت ناقصة بتعذر انتخاب رئيس للجمهورية منذ 25 أيار (مايو) الماضي. وهو أمر قد يؤدي شيئاً فشيئاً إلى تآكل هذه التسوية إذا كان اكتمال السلطة فيه سيبقى مرتبطاً بالصراع الطويل الأمد على السلطة في بغداد ودمشق. والحديث عن أن لا رئيس في لبنان إذا لم يكن مرضياً للأسد، وتأييد الأخير ترشيح زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون، لا يبشران بإمكان تحييد لبنان عن الصراع على السلطة في دول الساحة الواحدة، عبر تسوية ما على الرئاسة الأولى.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
  1. Alternate textابو عبد الله اسماعيل

    ارى ان ما ذهب اليه الكاتب من ايران اقتبست فكرة الفوضى الخلاقة من الامريكان وتعزف علبها الان. هو امر تؤيده الوقائع.لكن هل امنوا ان ينقلب السحر على صاحبه.؟ هذا من جهة اما من ناحية اخرى ان استطاع الايرانيون ان يخدعوا الامريكان والغرب في قضيتهم النووية وياخذوا مزيدا من الوقت فهل يظن اصحاب القرار في واشنطن ان حلفاءهم في السعودية والخليج قادرون على الصبر الى ان تفلت الامور وتغدو ابران صاحبة اليد العليا في المنطقة؟ ان اللعب المخزي والمفضوح الذي تمارسه الادارة الامريكية من وزاء ظهر حلفائها يبدو ان نتائجه ستكون نجمة عار وخزي على صدر ادارة اوباما وسيرى الامريكيون في العقد الفادم ان هذه الادارة كانت جبنا وضعفا امام الدهاء الايراني وربما يكون دافعها جائزة نوبل للسلام

    الخميس 19 حزيران 2014 9:07 م

  2. Alternate textHazem Thawra

    لو قرأنا بتجرد، الصورة أمامنا لنظام المالكي المذهبي الإعلان ـ أنا شيعي أولا ـ ونظام الأسد النصيري الهوى، الذي يعتمد عصبية واحدة منتقاة للمؤسسة العسكرية، وقوى الأمن القمعية، وما يخفيه النظام الثاني من امتدادات إقليمية وجوارية أبرزها سلام دام نصف قرن مع إسرائيل، لم يخرقه رد واحد على تعديات الصهاينة العديدة والمتباينة والمفضوحة والمعلنة والمؤجلة الرد لزمان ومكان آخرين، على الداخل السوري. ثم الترابط الإيراني والمذهبي الوثيق بين كلا النظامين وإيران، لانفضحت الصورة بكامل أبعادها وعمق تركيبتها التآمرية. ليس فيها فلسطين، بل هي في الطريق لتنفيذ فلسطين أخرى في سوريا على نحو أشد وأدهى، تقتيلا وتهجيرا، ونفثا لدخان التعمية والتآمر. الجانب الإسرائيلي يؤمن الإطار الدولي من أمريكا إلى الغرب إلى روسيا في مجلس الأمن لاستمرار المذبحة السورية، وفي نفس الوقت التحذير من داعش، النظام الإرهابي الجديد الذي تعلن فيه كل القوى المذكورة أعلاه الحرب عليه والخوف منه مجتمعة. أما دماء الشعبين السوري والعراقي فهي القربان المقدس لتلك القوى، مقدما لاستمرار مذبحة التمزيق المذهبي.

    الجمعة 20 حزيران 2014 2:01 ص

  3. Alternate textالمحامي جودت رزوق

    من داعش الناشطة على الأراضي السورية والمخترعة من قبل أجهزتها الأمنية لتشويه الثورة المزعومة. الى داعش التي هزمت جيش نوري المالكي في الموصل ونينوى المتبناة من قبل محور أعداء سوريا كجيش لهم يحارب لرفع المظلومية عنهم وإستعادة التوازن...! ضاع صاحب الجمل ولم يعد يعرف رأسه من قدميه ....يالله يا أسد حماك المولى كيف تلعب برؤوسهم كما يتلاعب الفتية بالكرات.

    الجمعة 20 حزيران 2014 2:27 م