|   

النسخة: الورقية - دولي

دخلت الثورة السورية عامها السادس وهي تجرجر معها مأساة شعب قهره ظلم حكامه المتطاول الذي تحول حرباً أهلية دمرت البلاد والناس. الضحايا بمئات الآلاف ولا أحد في العالم يعدّهم حقاً منذ أوقفت الأمم المتحدة تعدادها ليقتصر الأمر على الشبكة السورية لحقوق الإنسان. ولا يبدو أن المزاج العالمي اليوم باتجاه تطبيق العدالة على قاتليهم. والمصابون والمعاقون بالملايين، ولا يوجد أي مخطط طويل الأمد لمساعدتهم وإعادة تأهيلهم. والمهجرون أكثر من عشرة ملايين، المحظوظ منهم استقر في أحد بلدان المأوى، وفي شكل خاص تلك الدول الأوروبية الغنية والرحيمة حتى أمد قريب مثل ألمانيا والسويد، والأقل حظاً يقبع في مخيمات مهترئة من دون أمل حقيقي باستقرار قريب.

هذه كلها مآسٍ هائلة تشكل جرحاً نازفاً في ضمير الإنسانية سيبقى لوقت طويل. لكن واحدة من المآسي المروعة التي ما زال الشعب السوري يعانيها ستتحول كارثة إنسانية شديدة الإيلام إذا لم يوضع حد لتطاولها واستمرارها في أقرب وقت. هذه المأساة هي مأساة أسرى الرأي والسياسة والثورة والنميمة والانتقام من المغيبين في سجون النظام وأقبية ومعسكرات مخابراته، وفي سجون المنظمات الإسلامية المتشددة والأقل تشدداً وفي معتقلاتها المرتجلة. لا بد من مواجهة هذه الكارثة المحتملة فوراً وبقوة من المجتمع الدولي، بما أن المنظمات السورية الأهلية التي تعمل بدأب على التوثيق والمطالبة بالحقوق لا تملك أوراق ضغط كافية، وما دام العالمان العربي والإسلامي، المجالان الحيويان المفترضان لسورية، لا يعيران مآسيها انتباهاً، ولا يشكلان حقيقة أي ورقة ضغط فعلية.

لا توجد إحصاءات دقيقة لهؤلاء السوريين الذين أُهدرت مواطنتهم وإنسانيتهم بسجنهم التعسفي وتعذيبهم وأحياناً قتلهم في سجنهم. فالنظام السوري، الذي يستخدم الاعتقال التعسفي والتعذيب سلاحين منذ بداية حكم آل الأسد عام ١٩٧٠ وقبله أيضاً، لا يعترف بهؤلاء المساجين ولا يقدم أية معلومة عنهم: عددهم، وضعهم القانوني، الصحي، والنفسي، أو إمكان محاكمتهم أو إطلاق سراحهم. بل هو أصلاً لا يعترف بأن لديه أسرى رأي وسياسة على رغم ملايين الأدلة الدامغة على هذه الممارسة المستمرة منذ عقود. وأتت المنظمات الثائرة على النظام، الإسلامية والعرقية على السواء، لكي تقتبس من النظام أساليبه التعسفية والإجرامية وتطبقها في مناطق سيطرتها، وإن كان مجال إجرامها أقل بكثير من إجرام النظام بالنسبة إلى عدد المغيبين ودرجة التعذيب الممارسَة بحقهم، مع استثناء «داعش» الذي يتبع على ما يبدو مفهوماً مختلفاً للإنسانية عما نعرفه ونعترف به جميعاً، مفهوماً لا يقيم وزناً لحقوق الأفراد أو الجماعات المعتبرة مارقة دينياً ومخالفة لقانون السماء، طبعاً لما يقرره داعش نفسه.

لكن الشبكة السورية لحقوق الإنسان (/http://sn4hr.org/arabic/2016/02/02/5535)، وغيرها من المؤسسات القانونية السورية والدولية، تحاول جاهدة توثيق حالات الاعتقال والتعذيب والقتل التي يمارسها النظام وأعداؤه على السواء تمهيداً لاستخدام الأدلة المتراكمة في محاكمات مقبلة للمجرمين. والأرقام مريعة على رغم أنها قطعاً لا تمثل الأرقام النهائية التي لن تُعرف إطلاقاً على الأغلب. فهناك بين آذار (مارس) ٢٠١١ وآذار ٢٠١٦، ١٢٤٥٩٦ معتقلاً موثقاً لدى النظام مقابل ١٩٠٤٢ لدى المنظمات الأخرى مجتمعة بما فيها تنظيم داعش. أي أن هناك قرابة ١٥٠ ألف إنسان منتهكين بصمت ومن دون أي غطاء قانوني، وهذا يعني أيضاً أن هناك قرابة ١٥٠ ألف أسرة تعيش مأساة الخوف والترقب واليأس من أن ترى أحباءها الذين اختطفوا منها أو تأمل بعودتهم بما أن آسريهم لا يعترفون بفعلتهم. فأين هو باسل خرطبيل مثلاً، مبرمج الكومبيوتر والمدافع النشيط عن المصادر المفتوحة للمعلومات الذي أخذ إلى معتقل مجهول بعد أن قبع في سجن عدرا بين ٢٠١٢ و٢٠١٥ من دون اتهام أو محاكمة؟ وأين رزان زيتونة ورفاقها الثلاثة الذين عملوا على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في سورية واختفوا في دوما التي يسيطر عليها جيش الإسلام في كانون الثاني (يناير) ٢٠١٣؟ وأين منيف ملحم المناضل الشيوعي الذي قضى ١٦ عاماً في سجون الأسد الأب واختفى مجدداً في سجون الأسد الابن وشاركه السجن أشقاؤه الأربعة؟ وأين رشا شربجي وأطفالها الخمسة وقد اعتقلت في نيسان (ابريل) ٢٠١٤ للضغط على زوجها المطلوب، وهي طريقة دنيئة تستخدمها المخابرات السورية في اعتقال أفراد عائلات المطلوبين لديها والفارين، كرهائن لكي يسلم المطلوبون أنفسهم، مع أن الزوج للأسف ربما قضى غرقاً في محاولته الهرب إلى أوروبا؟

ومن سيحاكم قاتلي الـ ١٢٤٨٦إنساناً الذين وثقت الشبكة السورية مقتلهم تحت التعذيب على يد زبانية النظام، والـ ٧٢ ضحية لمنظمات المعارضة المسلحة الذين أهدرت حياتهم بأبشع الطرق؟ فالعالم لم يتحرك بحقهم على رغم بشاعة الصور التي هرّبها المدعو «قيصر» الذي عمل مصوراً لدى مخابرات النظام قبل انشقاقه، والتي عرضت في أنحاء العالم وعلى الإنترنت وتأكدت منظمة «هيومين رايتس واتش» من أنها تُظهر موت ٦٧٨٦ إنساناً بين ٢٠١١ و٢٠١٣ في خمسة فروع للمخابرات في دمشق تحت تعذيب بشع شوّه أشكالهم، وعلى رغم اعتبار العديد من الشخصيات العالمية السمعة هذه الصور دلائل واضحة على جريمة ضد الإنسانية. فهل سيذهب موت هؤلاء الضحايا وغيرهم هدراً كما ذهب موت سابقيهم من مقاومي نظام الاستبداد الأسدي في سورية على مدى عقود؟

اليوم، ومع رواج إشاعات قرب فرض الحل على الأطراف المتحاربة في سورية من قبل روسيا والولايات المتحدة، يُخشى أن تقوم هذه الأطراف، وخصوصاً النظام المجرم، بالتخلص من أسرى الرأي لديها لأنهم سيكونون الشهود الأول في أية مساءلة قانونية ممكنة في المستقبل. وهذه ليست فرضية أو احتمالاً بعيدا إذا أخذنا في الاعتبار أن النظام السوري تخلّص سابقاً من سجناء رأي لديه، كما حصل في سجن تدمر السيء الصيت عام ١٩٨٠ عندما قتلت عناصر سرايا الدفاع أكثر من ٩٠٠ معتقل بدم بارد.

والقضية تصبح أكثر قتامة إذا تذكرنا أن النظام لم يُحاسب قانونياً ودولياً على مجزرة حماة عام ١٩٨٢ ولم يُساءل دولياً أو عربياً عمّن يزيد عن ١٧٠٠٠ مختفٍ لا يُعرف لهم مصير منذ ذلك التاريخ. هذا فيما يعيش المسؤول الأساس عن تلك المجزرة، رفعت الأسد، شقيق الرئيس حافظ الأسد ورئيس سرايا دفاعه حينها، في فرنسا، من دون أن يُلاحق قانونياً على الإطلاق. فلنرفع الصوت ولنُبقِ ذكر أسرى الرأي في سورية حياً وموجوداً بقوة في مجالات الإعلام والمحافل الدولية كافة، لكي نأمل باستعادتهم يوم تضع الحرب أوزارها، الذي لعله يكون قريباً.

 

 

* كاتب سوري وأستاذ الآغا خان للعمارة الإسلامية، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، M.I.T.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available