|   

النسخة: الورقية - دولي

ما هي الشعبوية، على وجه الدقة؟ وأين الخط الفاصل بين الشعبوية وبين ظواهر سياسية مختلفة؟ ما ينبغي ملاحظته أولاً هو أن الشعبوية ليست شأناً يخص فئات أو طبقات اجتماعية من دون غيرها. وهي ليست مسألة «حساسية» يتمتع بها، من دون غيرهم، الذين أصابتهم العولمة بخسارة مباشرة وكانت السبب في قلقهم وخشيتهم من المستقبل وما يخبئه. وصفة الشعبوية لا تسوغها السياسات العامة التي تقترحها هذه المنظمة السياسية أو تلك الشخصية المعروفة. فتعريفي الشعبوية هو أنها مذهب في السياسة يرى أصحابه أن نخباً منحرفة، فاسدة وطفيلية، تتصدى على الدوام لشعب متجانس وواحد، طاهر أخلاقياً، وليس بين النخب وبين الشعب قاسم مشترك. وأسماء المنظمات الشعبوية شاهد على مساواتها بين «الشعب العادي» وبين «الشعب الحقيقي». فقادة الحزب الفنلندي، «بيروسويوماليزت» («الفنلنديون العاديون») شديدو الحرص على ترجمة اسم منظمتهم الى اللغات الأجنبية الترجمة التي تناسب مرادهم، وتبرز حملهم قضية «الفنلنديين الأصيلين» أو «الفنلنديين الحقيقيين». ومذّاك قرّ اختيارهم على «الفنلنديين» من غير زيادة.

ويتصور الشعبويون اليمينيون أن النخب تتحالف حكماً مع الطبقات الطفيلية التي لا يجوز إدخالها في باب الشعب الحق (أو الفعلي). ففي شرق أوروبا، يزعم الشعبويون أن الغجر هم صنيعة النخب التي غلبت على شرق أوروبا غداة انهيار الشيوعية، أو النخب المؤيدة للاتحاد الأوروبي. وعلى سبيل المثل، يقارن حزب «جوبيك» الهنغاري واليميني المتطرف، «الجريمة السياسية» بـ «الجريمة الغجرية». ويؤدي هذا المنطق الى توحيد الغرباء (او غير المواطنين) وأنصار ما بعد الوطنية في فئة واحدة يجمع بين افرادها وكتلها التآمر على الأمة الحقيقية.

وفي الولايات المتحدة، لا يشكك أميركيون كثر أن نخب الساحل الشرقي اليسارية ونخب الساحل الغربي أيدت على الدوام حركة الحقوق المدنية، وناصرت السود، وتجسدت في آخر المطاف في شخص باراك أوباما، المجاز من هارفرد. وهذا ما حمل «الأصلاء» (المولودين من سكان «أصليين») ودونالد ترامب هو داعيتهم، على الزعم أن أوباما انتحل السلطة من غير حق لأنه لم يولد بأرض أميركية، على دعواهم. وعلى هذا، فهم يخلصون الى أن أوباما ليس جزءاً من الشعب. ولا يقتصر نفي أوباما، وإخراجه من الشعب الأميركي، على معنى رمزي. فهو ليس منه مادياً وحرفياً. واضطر أوباما الى حسم «المناقشة» مادياً: فنشر نسخة عن سجل قيد او وثيقة ولادته، ورد «الأصلاء» بالتشكيك في صحتها. واتهم ترامب تيد كروز، الحاكم وأحد منافسيه على الترشح الى الرئاسة عن الحزب الجمهوري، والمولود في كندا، بأنه هجين وضعيف الأصالة.

والتنديد بالنخب معيار ضروري من معايير الشعبوية وتعريف خطابتها، ولكنه ليس المعيار الجامع المانع ولا الأوحد، ما دام الشعبويون في صفوف المعارضة. فإلى التنديد بالنخب يُضيف الشعبويون زعمَ احتكارهم الأخلاقي للتمثيل الشعبي. فهم وحدهم، على قولهم، يمثلون الشعب الحق، وكل من عداهم فاقد لمشروعية التمثيل. وهم حين يهتفون: «نحن الشعب» يريدون القول فعلاً: «نحن وحدنا نمثل الشعب». ومناوأتهم النخب ليست سمتهم الفارقة، ولا تستقيم إلا إذا أضيفت اليها مناهضة التعددية (إي الإقرار بكثرة مكونات الشعب الواحد واختلاف منازعه السياسية). والعامل الراجح في تعريف الشعبوية هو ادعاؤها حصرية التمثيل السياسي لأنفسهم، وإرساء هذه الحصرية على مسوغ أخلاقي. وهذا الادعاء هو السبب في مشكلة علاقة الشعبويين بالديموقراطية. فهم لا يقولون: «نحن 99 في المئة (من الشعب)»، بل يقولون: «نحن 100 في المئة من الشعب».

وعلى هذا، ليس الشعبويون، خلافاً لما يقال هنا وهناك، «مقوِّماً» يتولى تقليص المسافة بين الديموقراطية وهيئاتها وأنظمتها وبين الشعب. فكثرة من المنظرين اليساريين، خصوصاً، يحسبون أن الموازنة بين الديموقراطية وبين الليبرالية أو دولة الحق والقانون، اختلت، وأن الشعبوية قد تضطلع بتصحيح الموازنة وتقويمها من طريق ترجيح كفة الديموقراطية وتثقيلها. ولكن هذا الرهان الساذج ينهض على اشتباه حاد: فالشعبويون لا يبالون أبداً بمشاركة المواطنين وانخراطهم في الحياة السياسية، وهم لا يطعنون في مبدأ او أصل التمثيل السياسي، بل إن موضوع طعنهم هم الذين يقومون الآن بالتمثيل والادارة، ويقول الشعبويون إنهم لا يمثلون مصالح الشعب ولا يحامون عنها. وأحد وجوه الشعبوية الأوروبية، السويسري كريستوف بلوشير، ميز تمييزاً قاطعاً النخبَ «الكاذبة» أو المزعومة من النخب «الأصلية أو الحقيقية». وتظاهرات حركة «بيغيدا» (الألمانية والمعادية للمهاجرين) ليست إلا ذريعة تشديد على هذا التمييز: السياسيون الحاكمون ليسوا ممثلي الشعب بل هم «خونة الشعب»، على زعم أخد شعارات هذه التظاهرات. وقد يعترض معترضون على ما أقوله بالقول ان الشعبويين يدعون من غير كلل الى تحكيم الاقتراع الشعبي. والحق يقال إن الشعبويين حين يدعون الى استفتاء عام لا يرمون الى فتح مناقشة بين الناخبين المستفتين، بل يعولون على إبرام المواطنين ما جزم الشعبويون أنه ارادة الشعب الأصيلة، وحالت النخب الهجينة والدخيلة من دون إقراره وفرضت محله مصالحها الخبيثة.

وفكرة التكليف الملزم، الناجم عن الاستفتاء، على ما صنع «اتحاد الوسط الديموقراطي» السويسري، أو يورغ هايدر الذي ادعى انه يعقد عقداً مع النمسا، أو سيلفيو بيرلوسكوني الذي اقترح التوقيع على «عقد مع الإيطاليين». فتقتصر السياسة على إنفاذ العقد، ويُغفل عن أن طلب التعاقد لم يصدر عن الشعب، بل صدر عن حزب مخصوص. ويقول الشعبوي السويسري كريستوف بلوشير: «إنفاذ العقد وحده، وإنجازه، هو العامل الحاسم في الاضطلاع بالولاية العامة. والمهمة التي يحددها العقد وحدها ينبغي احتسابها...».

ويعود الى المنطق المترتب على فكرة «مهمة» يعينها العقد ويرسيها (ويقوم المواطنون منها مقام الموكلين والآمرين بمهمات واضحة لا لبس فيها)، يعود اليه تعليل الدور الملتبس الذي يؤديه الشعب في نظر الشعبويين. فهو يبدو للوهلة الأولى دوراً نشطاً وفاعلاً، وينتهي به الأمر الى السلب المنفعل والتسليم التام. فيصور أن المسألة السياسية تختصر في إنفاذ إرادة الشعب انفاذاً ملزماً، على شاكلة التكليف. ولما كان الشعب قاصراً عن الإعراب عن إرادته بصوت واحد، وعلى نحو متماسك، احتاج الأمر الى من يوحي الى الشعب بما يريده أو يضمر قوله. فالسياسي الشعبوي غالباً ما يصف نفسه بـ «المذياع»، ويتستر على قيامه فعلاً بتأويله تأويلاً منحازاً أفكار المواطنين ومصالهم. فهو «يفكر» ما تفكره فيينا، على زعم شعار انتخابي ودعائي نشره حزب الحرية النمسوي وكتبه تحت صورة زعيمه هاينز- كريستيان ستراش.

وتردد فكرة التمثيل الحرفي والمقيد، في صيغتها الشعبوية المعاصرة، مثالاً قديماً انتهجته أنظمة قامت على المراتب المنفصلة والمغلقة: مرتبة الاشراف، مرتبة الاكليروس، مرتبة «الشعب». وتفترض هذه الأنظمة أن مصالح المراتب معروفة ولا التباس فيها. وعلى هذا، فهي لا تحتسب ولا تتوقع عملية سياسية تؤدي الى ذيول غير مقدرة وتعصى التقدير المسبق في الأحوال كلها. وهذا المنطق يستقوي بزعم العلم. فشعار آخر من شعارات حملة حزب الحرية وزعيمه هاينز – كريستيان ستراش، يعلن: «هو (ستراش) يريد ما نريد نحن (النمسا أو فيينا)». وغرض الارادة ليس مصالح، في صيغة الجمع والكثر، بل مصلحة واحدة موضوعية هي مصلحة شعب واحد لا يتنازعه اختلاف ولا خلاف. ووراء المصلحة الواحدة تفترض هوية واحدة هي صورة هذه الهوية الضرورية والمحكمة.

وفي هذه الحال، وفي ضوء هذا المنطق، ليست ثمة حاجة الى استفتاء الشعب رأيه في ما يريد فعلاً. والشعبوي لا يقر بالمصلحة العامة إلا للأمة الأصلية. وهو لا يهتم بتمثيل إرادة عامة تقودها مصالح جزئية كثيرة او متعددة، ويفضل عليها فكرة تمثيل او تجسيد رمزي للـ «شعب الحقيقي»، يمتنع من المساءلة والتشكيك. فهو يفضل، بكلمة موجزة، «روح الشعب» على «الإرادة العامة». وهذا هو السبب في تحفظ الشعبويين عن البرلمانات وعن تمثيلها التعددي حكماً. فماذا يقال أو يناقش بعد تجلي إرادة الشعب الأصيلة على أصالتها وحقيقتها؟

ويتحفظ الشعبويون، بناءً على هذه المقدمات، عن المناقشات المتلفزة بين المرشحين الى الانتخاب. فرفض فيكتور أوربان، في هنغاريا، الاشتراك في هذه المناقشات في انتخابات 2010، وفي انتخابات 2014. وعلل رفضه بالقول: «لا نحتاج اليوم الى مناقشات تتناول إجراءات سياسية، فالحلول بديهية، ونراها بأعيننا (...) فيا سيداتي العزيزات، ويا ساداتي الأعزاء، حري بنا أن نفهم أننا لسنا في حاجة الى نظرية لننهض ببناء اقتصادنا: يكفينا التشمير عن سواعدنا الآن». وعلى خلاف الرابط الوثيق بين الشعبوية وبين القيادة الملهمة، يدل تاريخ أميركا الجنوبية، في حال إيفيتا (بيرون) الأرجنتينية، على ضعف هذا الرابط. فليست القيادة اللامعة هي المعيار، بل القدرة على استشراف الإرادة الشعبية وفهم تطلعاتها.

 

 

* استاذ النظرية السياسية وتاريخ الأفكار في جامعة برينستون عن كتابه «ما هي الشعبوية؟» (بالانكليزية)، 2016، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available