|   

النسخة: الورقية - دولي

تبدو فوضى القنوات الفضائية «الدينــية» كــأنها في معزل عن الواقع الذي نعيشه أو هي في حل من أحداثه وتطوراته العاصفة والدموية. تناقضات صارخة تبثها كل ساعة ولا تجد من يقول لها «ما أحلى الكحل في عينك». فالقداسة التي زعمتها أحزاب وبعض قوى «الإسلام السياسي» لنفسها واتخذتها درعاً واقياً من أي انتقاد، نراها حاضرة أيضاً في تلك القنوات. المسألة هنا لا علاقة لها بالاجتهاد وإعمال العقل والبحث عن تفسيرات ومفاهيم عصرية، بل هي حرص على أن تكون كل قناة منها حزباً سياسياً له مناصروه والمتعصبون لأفكاره.

نتساءل هنا: ما هي مرجعية القنوات التلفزيونية «الدينية»؟

السؤال ضروري هنا، لكونه يعيدنا إلى ما نفترض منطقياً أنه نقطة البداية أو كما يقولون سؤال الجدوى. ليس من منطق طبيعي يمكنه أن يبرر هذا الحشد الكبير من القنوات التي تطلق ما شاء لها هواها من الفتاوى والتفسيرات، ومعها بالطبع ما يماثلها من المحرَّمات التي تجعل المشاهدين بغالبيتهم الساحقة - بل جميعهم - تحت طائلة التهديد، بل إن سيف التكفير حاضر وهو تحت تصرف رجل فرد يجلس هانئاً في استوديو هذه القناة الفضائية أو تلك ولا همَّ له غير إطلاق فتاوى التحريم التي تشمل كل قضايا حياتنا وتجعلنا فئران تجارب لفكر ذلك القابع في شاشته.

اللافت والمهم هنا أن متابعة هذا النوع من البث الفضائي تكشــف لنا خطل الفكرة التي تتحدث عن اعتدال وتطرف إلا في حـــالات نــادرة جداً. فالقائمون على تلك الفتاوى بغالبــيتهم ينطلقون من فكرة واحدة هي الوصاية على وعي المشاهدين الذين يرونهم قاصرين عن فهم شؤون دينهم وحياتهم، والذين يحتاجون إلى من يقدم لهم النصائح، ولكن في شكل اشتراطات وأوامر لها طابعها الذي لا يجوز الاختلاف معه أو استبداله بفتاوى رجل آخر.

المسألة ليست شروحاً عقائدية لها تفاصيلها وجزئياتها المتفق عليها، لكنها مسألة شطط يذهب نحو آلاف التفسيرات المختلفة وحتى المناقضة، والتي تجعل المشاهد متهماً بالضرورة وقابلاً للتكفير.

هي حالة مرضية قد لا ينتج استمرارها سوى مزيد من الخراب في أوطاننا الخربة والمنهكة بجرائم القتل واستباحة الحرمات.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة