|   

النسخة: الورقية - سعودي

< ما نراه من تراجع المجتمعات الغربية عن الاهتمام بالوعد الديموقراطي ومنظومة الحريات لمصلحة حاكم قوي يحقق الأمن والنظام ويحكم لمصلحة الشعب وليس النخبة ليس جديداً في التاريخ، بل له سوابق عدة، ولعل اليونان أول من لجأ إليها. فمتابعتي لصعود الشعوبية والرئيس دونالد ترامب بدا لي وكأنه فلم سينمائي سبق أن شاهدته، فعندما تتشابه الأسباب تتشابه النتائج، فإحساس الشعوب الغربية بأن المؤسسة الحاكمة تحولت إلى حكم «أوليجارشيا» فئوية يحكمها مجموعات مستفيدة أخرجت الأغلبية من فكرة المنفعة الشاملة والمصلحة العامة أدى إلى انقلاب الطبقات الشعبية ضد المنظومة كلها، بما في ذلك الاستعانة بقوة خارجية، فالشعوب تضع مصلحتها فوق مصلحة الأقلية المحتكرة للسلطة والثروة، ولعل الدرسين اليوناني والروماني هما أوائل الدروس البليغة، التي تذكرنا دائماً بأن التاريخ يكرر نفسه لمن لا يقرأه.

بعد سلسلة طويلة من الهجرات عبر التاريخ استقر المجتمع اليوناني القديم في شكل تجمعات قبلية تمارس الرعي، يسيطر عليها كبار ملاك الأراضي، وكان أكبرهم ملكية يترأس التجمع القبلي، وكان يوجد إلى جانبه مجلسان، أحدهما يضم الأعيان والأرستقراطيين من رؤساء القبائل، وآخر لعامة الشعب، ولعب الملوك دور الموحد لهذه التجمعات القبلية المتجاورة، ولكن منذ أوائل القرن الثامن (ق.م) بدأت الطبقة الأرستقراطية تستولي على سلطات الملك بفعل منافسةٍ لعب الشعب فيها دوراً كبيراً، حتى إذا جاء القرن السابع (ق.م) كانت الحكومات الملكية سقطت في أغلب المدن اليونانية لتحل محلها حكومات جماعية تتكون من الطبقة الأرستقراطية التي تسيطر على المورد الاقتصادي الرئيس وهو الأرض حتى القرن السادس (ق.م)، وهكذا ظهرت في المدن اليونانية طبقة اجتماعية جديدة هي طبقة التجار ومالكي الأراضي، وكان طبيعياً أن تسعى هذه الطبقة إلى تأمين مصالحها من طريق المشاركة في السلطة، وهكذا شهدت بلاد اليونان ظهور النظام السياسي «الأوليجارشيا»، أو نظام حكم الأقلية المسيطرة على السلطة والثروة.

قسمت القوانين الأثينية المجتمع الأثيني إلى طبقات، وجعلت مقدار الدخل السنوي للفرد هو الأساس الذي يقوم عليه انتمائه الطبقي والأرستقراطي ودرجة تمتعه بالحقوق السياسية، كما حاولت مجاملة الطبقة الشعبية بإلغاء ديونها كافة، ودعمت تمثيل طبقة الأجراء أو العمال في مناقشات المجلس الشعبي الذي كان يضم كل المواطنين، كما تم تطوير الجانب القضائي، وهكذا وضعت الإصلاحات أوائل القرن السادس (ق.م) الأساس الدستوري لنظام الحكم الذي يقوم على الثروة، وهو حكم «الأوليجارشيا»، وهكذا انقسم المجتمع الأثيني إلى ثلاثة أحزاب متصارعة، هي الحزب الأرستقراطي، والتجاري والعامة.

في ذلك الوقت، كان المصدر الملهم للخيال الشعبي لدى اليونان هم الشعراء ورواة القصص، لتشعل الخيال اليوناني بالخيال القصصي الذي يقوم كله على البطولات والأبطال الأسطوريين والحقيقيين الشعوبيين في تاريخهم، كشعر هوميروس الشاعر الأشهر، ورواياته الأكثر شهرة، وهي الإلياذة والأوديسا، وتتركز حول التضحية والشجاعة كسبيل للفوز والخلود، وكان البطل الشعبي الأكثر شهرة في هذه القصص هو المحارب أكيسليس.

في 561 (ق.م) لعب بايسيستراتوس، أحد السياسيين الشعوبيين الذين حصلوا على إعجاب الشعب لدوره في فك حصار عن أثينا لعبة ذكية، فوقف في وسط أثينا وبجانبه فتاة طويلة القامة ادّعى أنها الإله أثينا، وأنها تطالب بتسليمه الحكم في أثينا وكان لهذا وقع كبير، إذ استطاع فعلاً الاستيلاء على الحكم، على رغم أن الفتاة لم تكن سوى فتاة قروية من قرية مجاورة.

عمل الشعوبي بايسيستراتوس على الاستفادة من النجاح الأولي بالصعود على أكتاف الشعوبية، وسارع بإصدار قوانين جديدة تخفض الضرائب على الفقراء، وتعطي قروضاً وأراضي مجانيةً للمزارعين، وجمع الشعوبي الزعيم السلطات في يده ليتحول لديكتاتور بتأييد شعوبي ضد الأحزاب السياسية الفاسدة التي كانت تتولى السلطة، فنشأت في أثينا للمرة الأول فكرة الديكتاتور العادل التي لاقت صدى لدى الشعوب الحائرة عبر التاريخ، على رغم أن كلمة «ديكتاتور» في ذلك الوقت لم تكن تعني المستبد، بل تعني مصطلح يقصد الشخص الذي يتولى الحكم بشكل غير وراثي أو اعتماداً على قدراته الشخصية وبشكل يخالف العادات الدستورية.

تمكنت إصلاحات بايسيستراتوس من إحداث نقلة هائلة في الاقتصاد، فوضعت أثينا فعلاً أقدامها على درب الإمبراطورية، وزاد بدرجة كبيرة إنتاج الزراعة، مثل الزيتون وزيت الزيتون والأعمال الفخارية التي صدّرها الأثينيون إلى المدن والدول المجاورة، مثل مصر الفرعونية وبلاد فارس وغيرها، هذا النجاح الكبير حقق السعادة للشعب الأثيني وكان رهان بايسيستراتوس الأساسي خطراً، فهو أول سياسي يوناني يخرق المحرمات ويتحالف مع الطبقة الشعبية الفقيرة، ولكن رهانه نجح بشكل مدهش، فإضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية أعاد بايسيستراتوس هيكلة مجلس الشيوخ ليصبح أكثر تمثيلاً للطبقات الشعبية، وليس محتكراً من الطبقات الأرستوقراطية، وهو ما أثر في نوعية القوانين التي أصبحت أقرب لمصالح الشعب الذي احتفظ بقدر مهم من الحرية السياسية.

في 527 (ق.م) توفي بايسيستراتوس وورثة ابنه هيبياس، الذي حاول السير على تراث والده كديكتاتور عادل، ولكن في 514 (ق.م) قُتل هيبارخوس شقيق هيبياس فتحول هيبياس بعدها إلى رجل مجرم مجنون، فقتل العديد من الأشخاص ونفى آخرين ونكل بالكثيرين بما فيهم نساء، وقام بتعديل سياسيات والده فتحول الديكتاتور العادل إلى ديكتاتور باطش انتزع كل الميزات التي تمتع فيها الشعب الأثيني الذي لم يكن في ذلك الوقت مستعداً للتخلي عن هذه الامتيازات.

في 510 (ق.م) كان الأرستوقراطي كلايزثنيس نشأ في أثينا تحت حكم بايسيستراتوس، وبنظرة ثاقبة أدرك فوراً اتجاه الأحداث، فقرر التحرك لإنقاذ الشعب وقاد مؤامرة لطرد هيبياس من السلطة ونجح في ذلك، وأصبح هو رجل أثينا القوي، وقام فوراً بإجراءات لتحقيق المساواة بين الطبقات، لكن لم يكن استيلاء كلايزثنيس الشعوبي على السلطة ليمر مرور الكرام على الطبقة الأرستقراطية، فخرج أرستقراطي آخر اسمه إساغوراس ممثلاً «للأوليجارشيا» الحاكمة طامحاً إلى السلطة، وإذ إنه لم يمتلك دعماً شعبياً لجأ للقوة المسلحة لصديقه ملك المملكة المجاورة الشديدة البأس سبارتا، الذي أمده بقوة عسكرية مكنته من الانقضاض على السلطة في أثينا، وللتمكن من السلطة قام إساغوراس بنفي كلايزثنيس ومعه 700 عائلة من أثينا وبسط سيطرته عليها بسواعد جنود سبارتا الأقوياء، عندئذ حدث ما لم يكن في حسبان أحد.. يتبع في الجزء الثاني.

* باحث في الشأن السياسي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available