|   

النسخة: الورقية - سعودي

< من الطبيعي وجود الاختلاف في الحياة البشرية، ففيه استطاع الإنسان البحث والتقدم وتكوين علومه ومعارفه، إلا أن ذلك الاختلاف يغدو في الكثير من الأحوال مصدر قلق بشري، ولا سيما إذا انتهى الأمر بالمتجادلين إلى العنف وسفك الدماء. وعلى أية حال فإن ثمة مستويات رئيسة ثلاث تتراءى أمام الباحث في دهاليز فلسفة الاختلاف الإنساني وما ترتكز عليه من دوافع ومبررات وما تنتهي إليه من أهداف وغايات، هي الاختلاف العلمي والفكري والسياسي.

والناظر في حال الأمة هذه الأيام يتلمّس اختلافاً فكرياً عظيماً بين أفراد المجتمع ربما يقودنا، إن لم يكن فعل، إلى أتون حرب فكرية عقائدية لا نهاية لها إلا بالذل والهوان. بينما يدفعنا ذلك إلى اختلاف سياسي يتحدث فيه أفراد المجتمع من دون فهم واضح لتعقيداته واستراتيجياته.

ويظل الاختلاف العلمي محصوراً في العلوم الدينية والشرعية التي وقف عليها العرب نائين بأنفسهم عن اختلاف في العلوم الكونية، فكان خلافهم العلمي الشرعي منطلقاً من اختلاف فكري راسخ.

ولعل أبرز ما يتقاسمه هذا الاختلاف مع نظيره العلمي من أوجه شبه وتباين يتجلى في أن كلاً من الاختلاف الفكري والعلمي من شأنهما الارتقاء أو الانحدار بمستوى حاضر ومستقبل الإنسان، ولكن موضع الاختلاف الدقيق بينهما يكمن في أن الاختلاف الفكري بخلاف نظيره العلمي لا يُدفع دفعاً نحو الهاوية بعوامل سياسية، لأنه ببساطة هو من يشكل الأرضية الخصبة والقاعدة الحاضنة لجميع الأجندات السياسية المعروفة وتلك التي لم تُعرف بعد حتى الآن، وأمام هذه المشكلة المستعصية طالما عاش الناس مغلوبون على أمرهم حتى أولئك الذين يتخيلون توهما أنهم هم «الغالبون».

واحتاج البشر مع هذه «الورطة» المزرية إلى رسائل تأتيهم من عالم فوق عالمهم المتفوق، وهكذا فقد بعثت الإرادة الإلهية مع كل حقبة من تاريخ الإنسانية بـ«هداة» تضيء مشاعلهم طرق الظلام، إلا أن الفكر المضاد للنور كان وما يزال يتوصل إلى ابتكارات ظلامية تعيد الإنسان إلى مربع البدائية الأول، ألا وهو مربع الحرب والاقتتال ودائماً على أسس فكرية.

إن المطلوب من المجتمعات الإنسانية جميعاً أن تنتبه إلى عظم الخطر الذي يشكله الاختلاف الفكري بينهم، ولاسيما المرتكز على الآيديولوجيتين الدينية والقومية، وما ينبعث منهما من فروع مذهبية وعرقية، وأن يتحمل العقلاء في هذه المجتمعات مسؤولية الإبقاء على مفاهيم التعايش السلمي بين الناس حاضرة في الأذهان والتصرفات، وبيان خطأ الفكرة التي تدعو إلى تنميط المجتمع بلون ثقافي واحد يقمع الهويات والثقافات التي شاء خالق الإنسان أن تكون متمايزة أو مميزة كما في قوله تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين»، وأن يسعى العقلاء جاهدين إلى نزع فتيل التطرف من الفلسفات الفكرية بكل أنواعها، إلى جانب التوعية الحثيثة بمضار الاختلاف الفكري على شعوب العالم جميعاً وعدم السماح للنهج الفكري أن يستخدم أذرعاً سياسية قامعة تضر بأمن وسلامة الإنسان، وعليه فلا بد من إقرار وحماية مبادئ حقوق الإنسان ذات العلاقة بحرية الكلمة وحق المواطنة، وضرورة الإذعان إلى مفهوم تداول السلطات في تلك الشعوب المنطلقة بقوة نحو ديموقراطية دفعت ثمنها أرواح بريئة.

* اختصاصي اجتماعي ومستشار أسري.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة