|   

النسخة: الورقية - سعودي

< الأسرة هي البيئة الطبيعية الأولى التي ينمو فيها الطفل، وهي أول محيط اجتماعي يتفاعل فيه بحيث تلعب الأسرة دوراً كبيراً ومهماً في التأثير في النمو المتكامل للطفل وتلبية حاجاته، وتساعده في تحديد اهتماماته وميوله وتشكيل شخصيته وأنماط سلوكه واتجاهاته نحو نفسه والآخرين، فلا غرابة بأن تكون الأسرة أهم لبنة تربوية في حياة الإنسان.

والأسرة تحمل سقف توقعات عالٍ تجاه أبنائها لتجاوز التحديات الصعبة وتحقيق الطموحات المنشودة، ولكن حينما يولد طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة تشعر الأسرة حينها بالعديد من المشاعر المتناقضة تصل أحياناً حد الصدمة النفسية جراء الإحساس بالذنب والخوف على مستقبل طفلهم وقدرته على الاستقلالية والاندماج في المجتمع.

إن وجود طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة يعني خوض تجربة جديدة وغير مألوفة للأسرة منذ قدومه وتلقي خبر وجود احتياجات خاصة وفريدة من نوعها لدى الطفل، مروراً بتشخيص الحالة وتربيته والتعامل معه في مختلف مراحله العمرية التي سيمر بها، إذ تحتاج أسر ذوي الاحتياجات الخاصة إلى مؤازرة ومساندة تخفف من حدة الضغوط لتمكينها من المهارات الضرورية التي يحتاجون إليها لاحتواء حاجات الطفل، والتي تنعكس على استمتاع الطفل بجودة حياة عالية لتفتح له الآفاق في تخطي الكثير من الصعاب.

ولمّا كانت الأسرة هي «الركن» الأهم في حياة الطفل بشكل عام، والطفل ذي الاحتياجات الخاصة بشكل خاص باعتبارها الحاضن الأول والمربي الأساسي له والأجدر على تفهم حاجاته ومتطلباته، كان لا بد من الأخذ بالحسبان النظر إلى الأسرة بأنها الشريك الأول في تمكين الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، لذا فمن واجبنا تقديم الدعم كافة الذي يحتاجون إليه للوصول إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي أثناء رحلتهم الطويلة في دعم طفلهم، إذ أصبحت في الآونة الأخيرة تكافح لتوازن وتدير شؤون حياتها اليومية في ظل وجود طفل له متطلبات خاصة، فتسعى جاهدة للحصول على الاستراتيجيات المناسبة ومصادر المعلومات التي تساعدهم في الوصول إلى أفضل الممارسات التربوية والتعليمية المتوافرة والملائمة لطفلهم.

إن المجتمع الدولي والمنظمات العالمية ومنظمات حقوق الإنسان حرصت في الربع الأخير من القرن الماضي على أن يأخذ الفرد من ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرته نصيباً من الرعاية والاهتمام وتلبية الحقوق، إذ أصدرت الأمم المتحدة بدءاً من 1975 نصوصاً وإعلانات عدة، تكفل جميعها حقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم، وتؤكد على أن تكون الأسرة عضواً فاعلاً في اتخاذ القرارات باختلاف أنواعها لأطفالها من خلال وجودها ضمن فريق العمل متعدد التخصصات والمشاركة في جميع الاجتماعات التي تناقش الأمور المتعلقة به، مشاركتها مشاركة فعلية في جميع ما يخص قضايا وحقوق أطفالها وأشهر القوانين التي تمخضت من ارتفاع الوعي الأسري هو نظام IDEA الأميركي، والذي يعتبر الآن بمثابة مرجع لحـــقوق ذوي الاحتياجات الخاصة وتصنيفاتهم.

المملكة من أوائل الدول التي صادقت على الاتفاق الدولي للأمم المتحدة لحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، إلا أن خدمات التربية الخاصة مازالت متعثرة في تقديم الخدمات بالشكل الذي تتطلع له الأسر لتلبي الاحتياجات الخاصة، فالأسر لدينا تعاني كثيراً بسبب ضعف الخدمات المقدمة لهم، بدءاً من التدخل المبكر، مروراً بالتشخيص المناسب الذي يضمن تقديم الخدمة المناسبة والمكان الملائم لهم، إضافة إلى عدم وجود غطاء لذوي الاحتياجات الخاصة كهيئة مستقلة تكفل لهم حقوقهم وتدافع عنهم وتضمن الوصول الشامل لأطفالهم في مختلف البيئات كل ذلك يضع الأسر في حيرة من أمرهم في كيفية تخطي هذه التحديات.

ولضمان نجاح الجهود المقدمة في الميدان كافة، نحتاج إلى أمور تصحيحية عدة، أرى من أهمها إعادة النظر في بعض القوانين والتشريعات المتعلقة بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل يضمن حقوقهم بشكل واضح وصريح من دون الحاجة إلى التفسيرات والتأويلات المتعددة التي تواجهها الأسرة في كل خطوة نحو الاهتمام بطفلهم، العمل على رفع كفاءة البرامج الموجهة لطفلهم بمختلف أنواعها الطبية والتربوية وغيرها، تكثيف برامج الدعم الأسرية وإبراز دور الخدمة الاجتماعية فهي حلقة الوصل ما بين الأسرة والجهات المقدمة للخدمات التي تعمل على رفع كفاءتهم ومساعدتهم للتغلب على الصعوبات التي تواجههم وتذليل العقبات التي يتعرضون لها ولا ننسى دور الإعلام الرقمي والمرئي والمسموع في توجيه ذلك الاهتمام وتطويره بتغير الصور النمطية السلبية عن الإعاقة، العمل على توعية الأسر بحقوقهم وواجباتهم والعمل على ترجمة هذه الجهود كافة إلى واقع تعيشه هذه الأسر من أفراد المجتمع كافة بمختلف شرائحه.

* طالب دكتوراه في الخدمة الاجتماعية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available