|   

النسخة: الورقية - دولي

عندما أعلن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما للأميركيين عن نيته عقد اتفاق للشراكة عبر المحيط الهادئ بين الولايات المتحدة و11 دولة في آسيا (باستثناء الصين) على ضفاف الهادئ، قال: إن الولايات المتحدة ستضع بهذه الشراكة قواعد مسيرة التجارة العالمية في القرن الحادي والعشرين بدلاً من الصين. ولكن الرئيس الجديد دونالد ترامب كان أقسم خلال حملته الانتخابية أن الولايات المتحدة ستنسحب من هذه الاتفاقية في اليوم الأول لتوليه الرئاسة. واعتبر، بناء على معلومات رسمية خاطئة، أن حرية التجارة تؤثر سلباً في الوظائف الأميركية وعلى نشاط الصناعة التحويلية. وبالفعل ما إن أقسم اليمين كالرئيس الخامس والأربعين في 20 كانون الثاني (يناير) الماضي، حتى أعلنت إدارته عن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية.

وتضم الاتفاقية إضافة إلى الولايات المتحدة، 11 دولة هي أستراليا وبروناي وكندا وتشيلي، واليابان وماليزيا والمكسيك، ونيوزيلندا والبيرو وسنغافورة وفيتنام. ويعتبر الاتفاق التجاري الأكبر في التاريخ إذ يشمل 770 مليون مستهلك و40 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي وأكثر من ثلث التجارة العالمية. ويهدف إلى خفض الحواجز الجمركية والتنظيمية أو إلغائها، وملاءمة التشريعات من أجل تسهيل المبادلات التجارية والاستثمار بين الدول الأعضاء. وأخذ الاتفاق نحو عشر سنوات من المفاوضات المطولة ووقع في شباط (فبراير) 2016.

وعندما أعلن ترامب خلال حملته الانتخابية عن نيته الانسحاب من الاتفاقية، حصلت ردود فعل من بقية الدول الأعضاء حيث أعلن رئيس وزراء أستراليا عن خيبة أمله وقال إن بقية الدول الأعضاء تؤيد الاتفاقية بقوة وستسعى إلى إدخالها حيّز التنفيذ. وعلق رئيس وزراء نيوزيلندا بأن الولايات المتحدة ليست جزيرة معزولة وتقرر عدم التجارة مع بقية العالم. وقال رئيس وزراء ماليزيا أن بلده مشجع قوي لتطوير التجارة والتكامل الإقليمي المفتوح في منطقة آسيا - الهادئ. أما المديرة التنفيذية لمركز التجارة الآسيوي، فقالت أن هذا يعني نهاية قيادة الولايات المتحدة للتجارة وإنها ستعطي العصا لآسيا. وأضافت أن من الصعب البقاء كمتفرجين على أكبر اقتصاد ينحسر وينكفئ على نفسه في وقت يتباطأ الاقتصاد العالمي.

وذكر أحد المراقبين أن انسحاب أميركا من الاتفاقية سيفرح الصين التي ظلت تسمع من إدارة أوباما أن الاتفاقية أداة لتقوية قيادة أميركا لآسيا. فالصين ليست عضواً، وذلك لم يكن صدفة، فالولايات المتحدة كانت تريد أن تكون هي وليس الصين من يضع معالم التجارة للقرن الحالي في إقليم حيوي مثل آسيا - الهادئ.

واعتبرت إدارة أوباما أن الاتفاقية هي الجانب الاقتصادي في استراتيجية أميركية لمواجهة نهوض الصين، من خلال التعاون مع الحلفاء الإقليميين في المنطقة. وصرح وزير الدفاع الأميركي السابق أشتون كارتر أن الاتفاقية، إلى جانب عملها على إنعاش الصادرات الأميركية، تقوي علاقات واشنطن الأساسية في منطقة آسيا - الهادئ وتؤشر إلى التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها في الإقليم. وأكّد أن وضع الاتفاقية موضع التنفيذ سيعني له وضع حاملة طائرات أخرى في المنطقة. وكانت الصين على معرفة بأن توجه أميركا ضمن آسيا من خلال الاتفاقية، هي خطة مقنعة لتحجيم قوتها المتنامية، ووصفتها بالذراع الاقتصادية للاستراتيجية الجيوسياسية التي تنتهجها إدارة أوباما لتتأكد من أن قواعد واشنطن هي التي ستسود.

ويرى مراقبون أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية سيكون كارثياً عليها اقتصادياً واستراتيجياً. فمن الناحية الاقتصادية ستخسر ليس فقط فوائد اتفاقية كبيرة للتجارة الحرة في منطقة تضم ملايين المستهلكين واقتصادات قوية وقليلاً من الدّين وكميات هائلة من الموجودات، بل أيضاً تخسر إمكان انفتاح آفاق جديدة أمامها مثل المشاريع المملوكة من الدولة والاقتصاد الرقمي. كما أن عدم انغلاق الاتفاقية على أعضاء جدد يجلب دولاً أخرى بمرور الوقت وبذلك تحصل الولايات المتحدة على السباق في مجال اتفاقات التجارة على المستويين الإقليمي والدولي. أما استراتيجياً فتعني تعزيز الشكوك حول صدقية أميركا في المنطقة في ظل تعاظم دور الصين.

أما ماذا سيحصل بعدما أصبح انسحاب الولايات المتحدة حقيقة. فقد عبرت الدول الأعضاء مجدداً عن خيبة أملها. وقال رئيس وزراء اليابان، وهو العرّاب الثاني للاتفاقية بعد أوباما، أن لا معنى لها من دون وجود الولايات المتحدة التي تشكّل 69 في المئة من إجمالي الناتج في المجموعة. أما الدول الأخرى فأعلن بعضها عن رغبته الاستمرار في دفع الاتفاقية من خلال التصديق عليها لعل الولايات المتحدة تغيّر رأيها في ما بعد، فيما أعربت أخرى عن نيتها الدخول في اتفاقات تجارة حرة ثنائية مع الولايات المتحدة ومع بعضها البعض. ولكن ذلك في كل الأحوال لن يكون بديلاً بسبب ما كانت تحمله الاتفاقية من أهداف طموحة ومواضيع جديدة.

ولا يختلف المراقبون على أن خبر انسحاب أميركا سيمكن الصين من دفع مشروعها الخاص والذي تعمل عليه منذ سنوات وهو «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» والذي سيضم 16 دولة من ضمنها أستراليا ونيوزيلندا والصين واليابان إضافة إلى 12 دولة آسيوية أخرى وقد تظهر إلى العلن هذه السنة. وهو خطوة لتحقيق تنظيم أكبر هو: منظمة التجارة الحرة لآسيا - الهادئ الذي بدأ العمل عليه في 2014، وجدد رئيس الوزراء الصيني الدعوة له في اجتماع «أبيك» الأخير في البيرو. وتختلف الاتفاقيتان في أن الأخيرة هي توسيع للتجارة الحرة تحت القواعد المعروفة لها، بينما تتضمن الأولى مجموعة من القواعد والترتيبات الموضوعة أصلاً لدعم تنافسية الولايات المتحدة، كما تدعم حقوق العمال والحد الأدنى للأجور، وتضع المشاريع الحكومية والمحلية والأجنبية على مستوى واحد من المعاملة وتسمح بنقل المعلومات من دون ثمن وتحمي حقوق الملكية الفكرية. وكان من الممكن أن تكون الأولى تطوراً جديداً في الأمد الطويل لأنها تضع معايير عالية للتجارة والاستثمار وهو ما يحتاجه العالم أكثر من حاجته إلى مزيد من التجارة والاستثمار.

* كاتبة متخصصة بالشؤون الاقتصادية

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available