|   

النسخة: الورقية - سعودي

< «الكمد» هو أشد حزن القلب، لا يجري معه دمع، إلا أن صاحبه يكون كثير التأوه والتنهد، وهو حزن يجده في نفسه لا على فائت ولا قصير، وهذا هو الحزن المجهول الذي هو من نعوت المحبين، ليس له سبب إلا الحب خاصة، وليس هناك أعز على البشر من أوطانهم، فتفتت أكبادهم حزناً عليها وتعتصر قلوبهم ألماً من أجلها، وليس للكمد دواء إلا وصال المحبوب وسعادته وسمو مكانته واكتمال عافيته.

إن انشغال بعض حسابات ومواقع التواصل الاجتماعي ببث إشاعات الانهيار والتفكك وسواد الواقع واقتراب المصائب والأخطار لهذا البلد؛ ما هو إلا من قبيل تقطيع قلوب المحبين لبلدهم، وتفتيت أكبادهم حزناً على مستقبله.. وهم يدركون تماماً ذلك الهدف ويسعون من أجل تحقيقه لتحطيم الشعوب من الداخل والقضاء على طموحاتهم وسلب سعادتهم وأرواحهم.

يقال إنه بعد انتهاء حرب أميركا مع كوريا قام الجنرال وليام ماير المحلل النفسي في الجيش الأميركي بدرس واحدة من أعقد قضايا تاريخ الحروب في العالم، فقد تم أسر وسجن حوالى 1000 جندي أميركي في تلك الحرب في كوريا، وتم وضعهم داخل مخيم تتوافر فيه كل مزايا السجون العالمية من حيث المواصفات، وكان مطابقاً للقوانين الدولية من حيث الخدمات المقدمة للسجين ومن حيث معاملته، فالطعام والشراب والخدمات متوافرة، ولم تكن تستخدم أساليب التعذيب المتداولة في بقية السجون، لكن التقارير كانت تشير إلى أن عدد الوفيات في هذا السجن أكثر من غيره من السجون. هذه الوفيات لم تكن نتيجة محاولة فر أو تعذيب، بل كانت ناتجة عن موت طبيعي! كثير منهم كانوا ينامون ليلاً فيطلع الصباح وقد توفوا! لقد تمت دراسة هذه الظاهرة سنوات عدة، واستطاع ماير أن يحصل على بعض المعلومات والاستنتاجات من خلال هذه الدراسة:

1- كانت الرسائل والأخبار السيئة فقط هي التي يتم إيصالها إلى مسامع السجناء، أما الأخبار الجيدة فقد كان يتم إخفاؤها عنهم.

2- كانوا يأمرون السجناء بأن يحكوا على الملأ إحدى ذكرياتهم السيئة حول خيانتهم أو خذلانهم لأحد أصدقائهم أو معارفهم.

3- كل من يتجسس على زملائه في السجن يعطى مكافأة، كسيجارة مثلاً، والطريف أنه لم تتم معاقبة من خالف الضوابط وتم العلم بمخالفته من طريق وشاية زميله في السجن، وهذا شجع جميع السجناء على التجسس على زملائهم، لأنهم لم يشعروا بتأنيب لضميرهم نتيجة تجسسهم.

وهكذا؛ اعتاد جميع السجناء على التجسس على زملائهم، والذي لم يكن يشكل خطراً على أحد.

كشفت التحقيقات أن هذه التقنيات الثلاث كانت السبب في تحطم نفسيات هؤلاء الجنود إلى حد الوفاة، فكانت هذه العوامل كفيلة بالقضاء على الرغبة في الحياة ووصول الإنسان إلى حال الموت الصامت «الموت كمداً». فإن كنا اليوم لا نسمع سوى الأخبار السيئة، ولا نفكر بعزة أنفسنا، وإن صرنا نحاول إسقاط بعضنا البعض، فنحن نعيش حال «العذاب الصامت» (سيندروم).

في هذه الأيام يسعى العدو لاختيار أسوأ الأخبار لإيصالها إلى أسماعنا، ونحن نتقبلها من دون وعي، إذ حاول أن يوهم العامة أن الأسعار مرتفعة، والبطالة في ازدياد، والفساد مستشر، والاقتصاد منهار، وخلاف عال.. لذلك ينبغي علينا ألا نستمع إلى الأخبار السيئة ولا إلى إرهاصات المرجفين وتهويلاتهم، بل ينبغي أن نمنح أنفسنا ومن حولنا الأمل بمقبل أفضل، لكي نحطم السجن الذي أراد الأعداء أن يصنعوه بواسطة إعلامهم ومواقعهم وحساباتهم داخلنا ليعذبونا فيه حتى نموت كمداً.

 

 

* اختصاصي اجتماعي ومستشار أسري.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة