|   

النسخة: الورقية - دولي

كان للغرب، تجاه روسيا في عهدها السوفياتي، وجهة نظر موحدة في المجمل. وكذلك كان ينظر إزاء قياداتها المختلفة من ستالين وخروتشوف وبريجينيف وحتى غورباتشوف. ولكن ثمة تغيرات طرأت على هذا الموقف بعد انهيار المرحلة السوفياتية إذ بدت روسيا تترنح، لا سيما في عهد بوريس يلتسن، أثناء بحثها عن توازن ما إثر تلك المرحلة على كل الصعد، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، وهي تسعى إلى تثبيت مكان لها على خارطة المسرح الدولي إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

هذا السعي شكل ولا يزال تحدياً كبيراً لها طوال عهد حكومات فلاديمير بوتين وديمتري مدفيديف المتناوبة على الحكم على مدى عقدين فائتين تقريباً، وترنو روسيا للحصول على اعتراف غربي بدورها في مناطق نفوذ عدة في العالم لا تقتصر على الجوار فحسب، بل تمتد إلى ما وراء ذلك. ويشعر بوتين راهناً بأن تراجع أميركا في مجال السياسة الخارجية وانكفاء واشنطن عن سياسة التدخل المباشر (سورية مثلاً)، واتساع شبكة علاقات الصين الخارجية وصعودها المتواصل، تقدم لموسكو فرصة نادرة ومواتية كي تثبت أقدامها في الشرق الأوسط كما فعلت في أوكرانيا وجورجيا سابقاً، لا سيما في هذه المرحلة التي تشهد عملية شاملة من إعادة تشكيل للعلاقات الدولية غير مسبوقة منذ الحرب الكونية الأخيرة.

ولعل هذا ما يدفع الرئيس الروسي نحو اتباع سياسات يغلب عليها التحدي والمواجهة بدل الوسائل الديبلوماسية. ويبدو أن بوتين يتصرف وفقاً لهذه السياسة متأثراً بنتائج الحرب الباردة المهينة لروسيا، إذ لا يزال يعاني من الجرح العميق لكرامة بلاده الناجم عن نهاية «الدولة العظمى» بانهيار الاتحاد السوفياتي قبل أكثر من عقدين. فالرغبة في أن يتعامل الغرب مع بلاده بناء على ماضيها «العظيم» شيء، والحقيقة الواقعة والصادمة من أن روسيا لم تعد كذلك شيء آخر. ولعل هذا الشعور هو الذي يؤثر في سياسة بوتين وسلوكه أكثر من أي شيء آخر، ويدفعه نحو تطبيق سياسات تغلب عليها أحياناً المغامرة بدل التخطيط المحكم.

لا يمكن قياس روسيا بالغرب من حيث القدرات والإمكانيات. فهي في روسيا محدودة لا تمكنها من اتباع سياسات ومغامرات خارجية طويلة الأمد. فحجم اقتصادها وفقاً لبيانات 2016 الدولية بات أقل من حجم اقتصاد ولاية كاليفورنيا التي أصبح اقتصادها سادس أكبر اقتصاد في العالم (بعد الاتحاد الأوروبي وأميركا والصين وألمانيا وبريطانيا)، فيما تحتل روسيا المركز الثامن. كما أن مراكز بحثية عدة في أوروبا تؤكد أن حملة روسيا في سورية مثلاً ما كان لها أن تستمر طوال هذه المدة لولا حِقَن التمويل العاجلة التي تقدمها إيران إلى دمشق للحفاظ على نظامها. ولا شك في أن هذه الإمكانيات المحدودة هي التي دفعت بوتين إلى وقف العمليات العسكرية في سورية بعد سقوط شرق حلب، ما أدى الى الخلاف مع إيران التي تعتقد أن حربها في سورية لم تحقق أهدافها بعد.

ومع إدراك بوتين أن طموحاته أكبر كثيراً من قدرات بلاده على تحقيقها، يخشى أن يدفعه هذا الاعتقاد إلى اتباع سياسات مغامرة في مناطق يعتبرها الرئيس الروسي خاضعة للنفوذ الروسي. وتماشياً مع هذا التصور وحالة الهلع التي يعيشها بأن هناك دائماً «مخططات لإطاحته»، اتخذ بوتين جملة من الإجراءات الداخلية تضمن له الاستئثار بالسلطة والتأثير الكامل في سياسات بلاده حتى أثناء وجود مدفيديف على رأس السلطة. ولا شك في أن هذه السياسات وضعته في مواجهة شبه دائمة مع الغرب عموماً وأوروبا على وجه الخصوص، إذ لا ينفك عن توجيه اللوم للغرب «المعادي لروسيا» لتبرير سياساته في الداخل والخارج معاً.

ويبرر بوتين هذه السياسات بأنها رد فعل على سوء نيات الغرب نحو روسيا ومن نتاج خططه الهادفة لتفكيك وإضعاف بلاده على مدى العشرين سنة الماضية. ويعتقد أن دول الغرب والولايات المتحدة هي التي ساهمت في تفكيك بلاده من خلال التدخل المباشر متجاهلاً كيف أن شعوب أوروبا الشرقية هي التي ثارت عملياً ضد عنف الإدارة السوفياتية وفساد بيروقراطيتها ونظامها الحزبي الصارم وسلطة الكرملين الحديدية. ويرى بوتين توسع حلف الناتو بين 1999 و2004 كي يشمل دول البلطيق الثلاث (لاتفيا وإستونيا وليتوانيا) الملاصقة لروسيا عملاً عدوانياً هدفه تصعيد التهديد ضد موسكو.

ويبرر بوتين دخوله إلى مناطق عدة في شرق أوكرانيا بحجة حماية سكانها الروس، كما يرد على ضم شبه جزيرة القرم بأنه إجراء لحماية بلاده من احتمال انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وربما انضمامها لاحقاً إلى الاتحاد الأوروبي.

مهما كانت تصورات بوتين حول الأمر، فإن تدخله في أوكرانيا يُعدّ خطأً كبيراً من خلال منظور الواقعية السياسية. فبالإضافة إلى الحصار الاقتصادي الذي تتعرض له روسيا نتيجة هذا التدخل، فإن سياسة بوتين في هذا الصدد دفعت أوكرانيا بالكامل نحو المعسكر الغربي. وقام بوتين إثر ذلك بمساعٍ للتعويض عن خسارة الروابط مع الغرب لبناء تحالف ما مع الصين، ولكن يبدو أن بكين لم تُبدِ حماساً للمسعى خشية أن يفسر ذلك التحالف بأنه موجه ضد الغرب.

في كل الأحوال، يتوقع بوتين أن يأتيه العون للخروج من أزماته المتعددة، سيما الوضع الداخلي المتفاقم بسبب سوء استخدام الموارد الاقتصادية والنفطية، من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أعلن عن نواياه بذل جهود سريعة لبناء الجسور مع موسكو. والملاحظ، بالإضافة إلى دعم واشنطن الراهن لجهود روسيا في سورية، أن ترامب لم يأتِ على ذكر الوجود العسكري الروسي في شرق أوكرانيا ولا على ضم القرم حتى الآن، بل قدم اقتراحات حول التوصل إلى «صفقة» مع موسكو برفع الحصار الاقتصادي مقابل اتفاق بخفض ترسانة الأسلحة النووية. ولا شك في أن مثل هذه السياسة يسبب قلقاً للحليف الأوروبي الذي يعتبر أن الأزمة مع موسكو أزمة قيم بالدرجة الأولى، لكن دوله ستضطر في النهاية للتواؤم مع الوضع الجديد انسجاماً مع الأمر الواقع.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة