|   

النسخة: الورقية - دولي

النتائج لا يمكن حسابها بدقة. يحدث أن يتبختر رجال البوليس من «الفرقة المختصة بالميدان BST» في فرنسا، وهي مكلفة بـ «الأحياء الساخنة» (ضواحي المدن الكبرى)، وأن ينهروا هذا ويدققوا في هوية ذاك، ويسخروا ويطلقوا نكاتٍ بذيئة وشتائم عنصرية... ولا يقع حادث يذكر. ويحدث أن تزعجهم هيئة شاب لأنه يبدو سعيداً أو مفتول العضلات، أو لأنه أجاب على نهْرهم له بطريقة لم تعجبهم، فينهالون عليه بالضرب. وهذا يتكرر بلا «مشكل» يُذكر غالباً. ويمكنهم إيقاف الشاب (والأقل شباباً أحياناً، وإنْ نادراً) ونقله إلى مركز البوليس، حيث يمكن أن يعذب بل أن يموت لـ «توقف مفاجئ في القلب» أو «قصور في التنفس» (حين يُدَق عنقه حرفياً أو يجلس على صدره اثنان منهم مثلاً)، بل يمكنهم أحياناً إطلاق النار عليه لو «حاول الهرب» (كل إصابات البوليس الفرنسي للشبان في السنوات العشر الماضية كانت من الخلف).

ويمكن أن تشتعل تلك الضواحي كالنار في الهشيم ينتقل فيها وبينها، وتستمر أياماً، ويحطم الشبان الغاضبون كل شيء تقع عليه أيديهم بما في ذلك مبان يحبونها ويستخدمونها وقت السلم، وحتى سيارات أهاليهم، كما حدث في 2005 حين قُتل مراهقان، زياد وبونا، نهرهما البوليس بلا مبرر وهما يلعبان الكرة أمام مبناهما السكني، فخافا، فهربا، فطاردتهما الدورية حتى صعقهما محول كهربائي اختبآ خلفه. قصة يعرفها الجميع في البلاد، وغير قابلة للسرد بشكل مختلف ولا تحمل تأويلات، ربما لصغر سن الولدين، أو لأنها كانت بداية جديدة لما تكرر بعدها في شكل بشع، محاطاً بسرديات سمَّمها خطاب سياسي يشحن بعنف عنصري وطائفي وقوموي ضد «المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة» وضد السكان «المغايرين»: انتهى الأمر بحزب «الجبهة الوطنية» وحتى بسياسيين من اليمين الكلاسيكي (لو صح التعبير، ولعله يجب استخدام «اليمين المتطرف وأقصى اليمين» لوصفهما) إلى الكلام عن «استعمار» جارٍ للأرض الفرنسية!

ويحدث أن يغامر الشبان بـ «النزول» إلى المدينة، فيتعرضون لما صار معروفاً بـ «المساءلة على الهيئة» التي تقتصر على من هم «رعاع» أي شبان من الضواحي: تدقيق كل بضعة أمتار بالأوراق الثبوتية وتفتيش فظ للحقائب والأجساد. فتتحول النزهة إلى عقاب وقد تنتهي بما لا تُحمد عقباه (راجع الفقرة السابقة). لذا فهناك عريضة في فرنسا تطالب بأن ينال من يدقَّق في أوراقه وشخصه كل مرة محضراً.

هل هم ملائكة وضحايا فحسب؟ كلا. هل بينهم موزعو مخدرات صغار؟ بالتأكيد. هل بينهم متعاطون؟ نعم. هل بينهم متوترون و «زعران»؟ أيضاً نعم. هل المطلوب منهم، طالما هم سمر البشرة أو سود، أن يبقوا حبيسي أحيائهم الرثة، المعزولة عن بعضها وعن المدينة؟ يا حبذا. وحتى في هذه الحالة، هم مُعرّضون: إليكم قصة ثيو التي حصلت قبل أيام، وأشعلت ضاحيته القريبة من باريس، وكادت تشعل سواها، وما زالت بين أخذ ورد، فيما البلاد على مشارف انتخابات رئاسية صاخبة.

أوقِف الشاب في حيّه بينما كان في طريقه لملاقاة صديقه. كانت المرة الرابعة في ذلك اليوم. وُصف بالرياضي القوي البنية. لعله تبرّم، فجاءت الفرصة لدورية من أربعة رجال، لعلهم كانوا ضجرين ويبحثون عن «أكشن». انهالوا عليه بالضرب والشتائم العنصرية المهينة، وطرحوه أرضاً وقيدوه، وأدخل أحدهم عصاه المعدنية الغليظة والمتحركة («تلسكوبية») في شرجه. عشرات الكاميرات صورت الحادثة، منها كاميرات مراقبة موضوعة من السلطات وأخرى للسكان من النوافذ، فالحادثة لم تجرِ تحت جنح الظلام.

هو يقول أنه اغتُصب عمداً بواسطة العصا المعدنية. وهذه صارت المسألة. زاره رئيس الجمهورية في المستشفى وأثنى عليه، وأقر الجميع بأنه تلقى ضرباً مبرحاً وعنفاً لا مبرر له، و «ربما» تعرض للاغتصاب (حيث يقول القانون أن الفاعل يُحاكَم أمام محكمة الجنايات في هذه الحالة، وأن العقوبة تصل إلى 15 سنة للمدني المرتكِب و20 سنة لو كان شرطياً)... إلا مارين لوبن التي تضامنت مع البوليس وزارتهم، وقالت إن الشاب تمرد بالأصل على الدورية (ما تدحضه عشرات الأفلام المصورة)، وإنه لو حدث خطأ فهو «غير مقصود»، وإن «المبدأ في موقفها هو تأييد البوليس دائماً» وخاصة بمواجهة «الرعاع»، وهي كلمتها المفضلة. والبوليس ومعهم الجيش والأمن صوتوا في 2015 بنسبة 51.5 في المئة لحزبها، فيما كانوا 30 في المئة في 2012 (وفق SRPSPO مركز الأبحاث السياسية التابع لجامعة Sciences Po). وهي أعلنت في تلك الزيارة عن «الحاجة لتجريد الضواحي من السلاح»!

«إرادة جرح ذكورة الشبان من ذوي الأصول المهاجرة في الأحياء الشعبية منتشرة لدى البوليس»، هذا ما يقوله عالم الاجتماع الفرنسي ديديه فاسن تعليقاً على ما وقع لثيو. وفاسن حالياً بروفيسور في جامعة برينستون الأميركية بعدما كان طبيباً لسنوات، وهو انخرط لأكثر من سنة مراقباً في وحدة بوليس، ونتج عن تلك التجربة كتابه الشهير «قوى الأمن، انتروبولوجيا بوليس الأحياء الشعبية». ويضيف أن التدقيق الذي يمارسه رجال البوليس لا يهدف إلى فحص الهويات التي يعرفونها بمقدار ما هو لفرض سلطة عنيفة، ولافتعال توقيفات بحجج التمرد أو إهانة السلطات، وأن «هدف البوليس في هذه الأحياء ليس الحفاظ على النظام العام بل فرض نظام اجتماعي معين، يُذكِّر كل واحد بالالتزام بمكانه».

تعريف: «الضاحية» في فرنسا هي حي أو بلدة أو مجموعة مبانٍ كئيبة على أطراف المدن الرئيسة، لكنها معزولة عنها، بما يشبه الغيتو، يقطنها سكان من أصول مهاجرة، عرب وأفارقة سود، صاروا على الأغلب الأعم فرنسيين.

وقد جيء بأجدادهم من المستعمرات أصلاً، تماماً كما حال السود في الولايات المتحدة. وكحال هؤلاء، فنسبة البطالة هنا أعلى بثلاث مرات من نسبتها في البيئة المحيطة بالضواحي، وهو ما تقوله هيئات رسمية فرنسية كـ «مرصد مراقبة الفوارق» و«المرصد الوطني لسياسات المدينة»: في 2012 كانت تلك النسبة 24.2 في المئة في الضواحي، مقابل 9.9 خارجها، لتصل في 2014 إلى 26.7 لسكان الضواحي ممن هم بين الـ15 والـ64 سنة، بينما بقيــت النسبة الثانــيـة على حالها، مع إضافة أن البطالة راحت تشمل أصحاب الشهادات بينهم، وبالنسب نفسها.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة