|   

النسخة: الورقية - دولي

يبدو أن تصويت مجلس النواب الإسرائيلي، «الكنيست»، على قانون جائر وخطير بكل المقاييس مرشح لأن يكون وأن يبقى بلا تبعات تذكر. فمعظم المواقف وردود الأفعال على هذا القانون وتشريعه لسرقة أراضي الفلسطينيين يظلّ أقرب إلى التعليقات الإعلامية المستهلكة منه إلى التناول والتعامل السياسيين مع فحواه ونتائجه. يستطيع المسؤولون في دوائر السلطة وقممها، خصوصاً في العالم العربي، أن يشددوا على إدانتهم القرار الإسرائيلي. ولم يعد مجدياً، بل حتى لائقاً، أن يطالب أحد بأكثر من ذلك. فالعين بصيرة واليد قصيرة وبلا كيف. التذكير بالثبات على الإدانة المبدئية يعفي من مسؤولية التعامل السياسي ويعوّض عنها.

وما يبدو للعيان عجزاً صارخاً يفقأ العين ليس سوى حصيلة تفويض منحه العرب والفلسطينيون لهذه الشرنقة الغامضة والسديمية التي يطلق عليها اسم المجتمع الدولي. وهم فعلوا ذلك، أي سلموا أمرهم في هذا الملف السياسي الثقيل، بطريقة قدرية تضرب بجذورها في ثقافة التفويض والتسليم إلى أولياء الأمر. ويبدو أن ولاية الأمر لم تعد في يد أصحاب القضية المتصلة اتصالاً وثيقاً بتاريخهم وتاريخ مجتمعاتهم منذ أكثر من قرن.

عندما أطلق شكسبير عبارته المأثورة «أن تكون أو ألاّ تكون، تلك هي المسألة»، كان بالتأكيد يرمز، من بين ترميزات اخرى، إلى ولادة الذات الفاعلة على المستويين الفردي والجماعي، وإلى ضرورة استتباب الفاعل والفاعلية في صورة وجودية ثابتة. ونحن نعلم أن تبلّر الفاعل في كل ميادين النشاط الإنساني أبرز ما أنتجته، وما استندت إليه، الحداثة الأوروبية.

غني عن القول إن الإقرار بالقيمة العالمية لتشكّل الفاعل التاريخي الحديث لا يحول دون الانقسام والصراع حول تعيين الفاعل ووجهة فاعليته ومدارها. وليس التاريخ الحديث بوقائعه العنيفة والصاخبة، بما في ذلك السياسات الكولونيالية، سوى مسرح شواهد وأمثلة متفاوتة الدلالة على هذا الصراع المفتوح. يمكننا إذن أن نترجم حكمة شكسبير العتيدة بعبارة أخرى هي نوع من الصياغة النحوية للفعل السياسي: أن تكون فاعلاً أو مفعولاً به، تلك هي المسألة.

يصلح هذا التمثيل لتشخيص وجوه بارزة في سياسات المنطقة وفي أحوال اللاعبين ومواقعهم. فبعض التصريحات الدولية أشار إلى أن استصدار قانون يعطي الدولة العبرية الحق في مصادرة أراض فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة ينذر بالقضاء على حل الدولتين المطلوب والمنشود دولياً لتسوية النزاع المديد. وكان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند قد أدلى بتصريحات مشابهة قبل شهر تقريباً لدى انعقاد مؤتمر دولي في باريس شارك فيه ممثلون عن سبعين دولة تقريباً وهاجمته حكومة نتانياهو. تشديد هولاند على أن مواصلة الاستيطان تقضي على حل الدولتين ترافق مع تشديد آخر يؤكد أن هذا المؤتمر الدولي ليس بديلاً عن الصيغة المثلى لحل النزاع، وهي المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ويفهم من هذا أن المؤتمر هو من قبيل لزوم ما لا يلزم. وعلى المنوال ذاته برر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري امتناع أميركا عن التصويت على قرار مجلس الأمن الذي يدين الاستيطان. وكان البعض يتوقع أن تستخدم الولايات المتحدة كعادتها حق النقض «الفيتو» كلما تعلق الأمر بإسرائيل بالنظر إلى العلاقات الوثيقة والاستثنائية بين الدولتين. وحرص الرجلان على تخريج الموقف في صورة الأخ المثالي الذي يعرف مصلحة أخيه الأصغر أكثر منه. على أن هذا لم ينفع كما لم ينفع كل التعويض المسبق المتجسد في ازدياد الدعم العسكري والمالي.

كل هذه التصريحات تبقى طائرات من ورق تصلح لتزجية الوقت وطحن الهواء. ولا يعني هذا عدم وجود رسائل تحاول هذه المواقف والتصريحات تمريرها ما يستدعي التقاط التمايزات والفوارق واحتمالات الصدقية أو النفاق فيها. قد يكون صحيحاً أن باراك أوباما، وهو من أفضل الرؤساء الأميركيين، عرّض مكانة القوة الأعظم للاهتزاز بسبب تردده في غير ملف شائك. والحق أن هذا يسجل له لا عليه. فهو كان منذ بداية عهده يستشعر الحاجة القصوى لترميم صورة معينة عن حداثة أميركا وقيمها الديموقراطية التي تدهورت بسبب مغامرات جورج بوش وفريقه. على أن طموح أوباما اصطدم بجدران كثيرة خصوصاً في الداخل الأميركي، الأمر الذي جعل الطموح يعرف حدوده. وخلافاً لاعتقاد شائع عن ميوعة أوباما أو خساعته، لا نستبعد أن الرجل كان يدرك صعوبة مهمته ولا يجد ضيراً في الكشف عن حدود اللعبة ودعوة الأطراف المعنية إلى تحمل مسؤولياتها، خصوصاً في ملف النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. وقد جاء دونالد ترامب ليقلب المشهد ويبدد ما فعله سابقه.

التزامن بين التشريع الإسرائيلي للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وتدشين عهد ترامب فاقع. وإذا كان ترامب قرر أن يستهلّ ولايته الرئاسية بقرار همايوني يحظر الهجرة على أبناء سبعة بلدان إسلامية فهذا أمر لا يفاجئ كثيراً. فقد شاءت الأقدار أن يصل ديموقراطياً إلى رئاسة أميركا نجم عقاري ومالي وتلفزيوني مولع باستعراض نسخة حديثة ومبتذلة من الفتوة والفروسية. أن يكون ترامب فضيحة تمشي على قدمين و»تغرّد» كما يحلو لها بحيث يحار العالم في التعاطي معها، فهذا شيء. أما انتهاز نتانياهو الفرصة واعتبارها أفضل توقيت لقوننة سرقة معلنة فهذا شيء آخر، وإن بدا موازياً.

والغريب أنّ انتهاك إسرائيل الصارخ للقانون الدولي لا يحظى بربع التغطية السلبية أو الاعتراضية التي تطاول ترامب. وعندما نعلم أن هذا الأخير عيّن إليوت أبرامز، وهو من المغرمين بالاقتتال بين الفلسطينيين، نائباً لوزير خارجيته، نفهم بعض الأمور.

لا نعيش أياماً صعبة فحسب. فنحن والعالم المقبل على المزيد من التخبط والشطط نشهد اليوم انتصار السفاهة والتفاهة. ولم يأت ذلك من عدم بل من سيرورة طويلة ومعقدة. وهي سيرورة صنعتها شبكات وقوى تمددت واخترقت، وابتذلت كل المساحات. نكتشف اليوم أن مقولة تحول العالم إلى قرية كونية ليست سوى ترسيمة افتراضية لا تقول شيئاً عن تاريخ القرية وسكانها وأثقال علاقاتهم الاجتماعية وروابطهم الأهلية والترابية. القرية هذه مجرد فضاء مشهدي. يمكن الطارئ أن يستوطن والمقيم أن يعبر. فلماذا لا تكون الأراضي الفلسطينية وناسها كذلك؟. العالم يمشي على رأسه، بالمقلوب.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة