|   

النسخة: الورقية - دولي

قد يبدو من باب الغرابة والاستفزاز التحدث عن تسوية بين توجه أوباما وتوجه ترامب، لا سيما في الظرف الحالي. فأين ما بدأ به أوباما عهده من وعود وردية من هذه القرارات المتتالية التي يصدرها ترامب بكل عجرفة؟ وأين إنسانية أوباما وحسه التضامني من هذه العدوانية المقيتة التي ترشح بها خطابات ترامب وأعماله ضدّ النساء والمسلمين والمثليين والفقراء؟

ومع ذلك، من المشروع التساؤل ما إذا لم يكن الرجلان يلتقيان في مسألة معينة، هي الطريقة التي ينظران فيها إلى المسلمين. كلاهما ينظر إلى مسلمي العالم على أنهم امتداد للجالية المسلمة في الولايات المتحدة الأميركية. إنها رؤية نرجسية تنظر إلى العالم كله من بلد لا يختزل بالضرورة تنوع العالم وتعقيده. ثم إنها نظرة تسفر عن أخطاء كبيرة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية.

أجل، تختلف هذه القرارات في مضامينها اختلافاً جذرياً، لكن الرؤية التي توجهها تبدو متقاطعة إلى أبعد الحدود.

في حزيران (يونيو) 2009، حلّ باراك أوباما في القاهرة، وهي عاصمة دولة ذات سيادة وعضو في منظمة الأمم المتحدة، وهناك ألقى خطابه المشهور الذي لم يتوجه فيه بالحديث إلى ممثلي البلد أو إلى شعبه، وإنما خاطب فيه «المســلمين»، هكذا في المطلق. كما لو أنّ رئيس بلد في زيارة رسمية لواشنطن يوجه خطابه إلى البروتستانت مثلاً. عن أي مسلمين كان يتحدث، في منطقة تعيش منذ عقود صراعات حادة بين دول وأطراف كلها مسلمة، وفي مصر تحديداً التي تضمّ مكوّناً قبطياً أساسياً، وفيها يتنازع منذ السبعينات النظام الرسمي وحركات الإسلام السياسي التي نشأت وانتشرت من هناك؟

لقد بدا باراك أوباما آنذاك وكأنه لا يميز بين دوره السابق في العمل الاجتماعي داخل الأحياء الأميركية ذات التعددية الدينية والعرقية، ودوره الجديد رئيساً لدولة، يفترض أن يتعامل مع دول أخرى، لا مع أديان ومذاهب. ومنذ ذلك الحدث إلى الآن، لم يفهم أحد على وجه الدقة أي مسلمين أراد مخاطبتهم، هل كان يشجع حركات الإسلام السياسي على الإطاحة بالأنظمة الهرمة وخلافتها في الحكم؟ أم كان يمهّد للتصالح مع إيران التي أنفق جزءاً كبيراً من جهده بعد ذلك في تطبيع العلاقة معها؟ أم أنّه كان يظنّ حقّاً أن المسلمين كتلة سياسة واحدة يمكن أن يخاطبهم خطاباً موحّداً؟

فكرة تسيير العالم كما تسيّر الأحياء الكوزموبوليتية الأميركية فكرة ذات دوافع إنسانية طيبة، لكنها بعيدة كل البعد عن الواقع المعقّد للعلاقات الدولية. لم ينجح أوباما في إحياء مسار السلام بين «المسلمين» و «اليهود» في الشرق الأوسط. وبعد قيام الثورات العربية، تحوّلت هذه الفكرة إلى استراتيجيا متكاملة الأركان، مضمونها أنّ الولايات المتحدة لم تهتم في السابق بنشر الديموقراطية في الشرق الأوسط لأسباب جيوستراتيجية، وأنها ستتدارك موقفها، على غرار ما فعلت في أميركا الجنوبية، وتشجع الديموقراطيات الناشئة بفعل تلك الثورات. وفي هذا السياق، راهنت الإدارة الأميركية على تحالف «الإسلاميين» و «العلمانيين» في كلّ بلد، ونجحت هذه الإستراتيجية نسبياً في تونس وفشلت فشلاً تاماً في بلدان الثورات الأخرى، لأنها في الأصل لم تكن واقعية، ولا كانت الظروف مهيأة لتعميم النموذج التونسي على عموم المنطقة.

وربما كان أوباما معذوراً في رفضه التورط في تدخلات عسكرية مباشرة لإنجاح رهانات من هذا القبيل، لكن إنسانيته ساهمت، من دون قصد منه، في الدمار الذي أصاب ليبيا وسورية بخاصة، وسيظلّ اسمه مرتبطاً بدمار هذين البلدين، مثلما ارتبط اسم بوش قبله بدمار العراق.

يبدو أن ترامب لم يفهم الدرس. بدل أن يحدّد خصومه وأصدقاءه بين الدول، هاهو يتحدث عن المسلمين بعامة. لماذا عندما يمنع دخول المكسيكيين لا يصفهم بالكاثوليك، وعندما يدين تهديدات كوريا الشمالية لمصالح بلده لا يدين البوذية؟ لماذا يربط موقفه من دول بعينها بالإسلام، وهل الدول الأخرى التي لم تشملها قرارات المنع بأقلّ إسلامية منها؟ ولماذا هذا الإصرار على إقحام الدين الإسلامي في مسألة سياسية وأمنية؟ ألم يكن من المنطقي أن يتخذ قرارات ضدّ المشتبه بتورطهم في الإرهاب، وقد أثبتت وقائع السنوات الماضية أنّ منهم أوروبيين وأميركيين كثيرين، بدل التعميم والخلط؟ وإذا افترضنا أنه يريد توجيه رسائل تحذير لدول بعينها، فلماذا يقحم الإسلام في المواجهة؟

ههنا يتأكد الخلط الذي أصبح عميقاً في العقل السياسي الأميركي بين المواطنة والانتماء الديني، بالضبط كما يفعل الإسلام السياسي عندنا. لذلك يقدّم لهم ترامب أفضل هدية بتفعيله مجدّداً خرافة صدام الحضارات والأديان. وقد جاءت البوادر الأولى من متشدّدي النظام الإيراني الذين سارعوا في اقتناص الفرصة والعودة بدورهم إلى قرع طبول المقاومة ضدّ الشيطان الأكبر، لأن أفضل طريقة للإبقاء على مصالحهم ونفوذهم في بلد مأزوم اقتصادياً واجتماعياً هو التلويح مجدداً بضرورة التضحية بحياة المواطنين ورفاههم من أجل صدام الحضارات.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available