|   

النسخة: الورقية - دولي

إذا كان رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي مصراً على تنفيذ إصلاحات جذرية لضبط الهدر المالي ومحاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين، ووضع حد للإنفاق الحكومي غير المبرر، وفقاً لأسس حديثة، بما يضمن استثمار الموارد وتنويع مصادر الدخل، بدلاً من الاعتماد على النفط الذي تغطي إيراداته نحو 93 في المئة من الموازنة السنوية للدولة، فيجب على حكومته أن تبدأ بإصلاح جذري في القطاع المصرفي، حتى ترتقي المؤسسات المصرفية للعمل على إيجاد قطاع فاعل لا يسمح بعمليات تبييض أموال وتمويل الإرهاب، كما قال حاكم المصرف المركزي علي العلاق الذي أكد أن العمل متواصل للارتقاء بعمل «المركزي»، من خلال الاستراتيجية التي طرحها بهدف تحويله إلى مؤسسة تعمل في إطار المصارف المركزية المتطورة، وأن يتحول من تحقيق أهداف تقليدية إلى أهداف تنموية تحقق استقراراً مالياً، ويدعم مسيرة هذا القطاع لتكون «قاطرة» سليمة وحقيقية للاقتصاد الوطني في مرحلة إعادة الإعمار المرتقبة.

يعمل في العراق حالياً 54 مصرفاً موزعة بين سبعة مصارف حكومية، و24 مصرفاً خاصاً، و11 مصرفاً إسلامياً، و19 مصرفاً عربياً وأجنبياً، إضافة إلى أربعة مصارف قيد التأسيس. وهناك أيضاً 60 شركة مالية تعمل في سوق العملة والاستثمار المالي، والتحويلات والسندات والبطاقة الذكية، منها 10 شركات قيد التأسيس، وهو عدد كبير، غير أن هذا القطاع يعاني تشوهات بنيوية، منها أن المصارف الحكومية تسيطر على نحو 90 في المئة من موجوداته، تاركة نحو تسعة في المئة فقط للمصارف الخاصة، على تنوعها من تجارية محلية وإسلامية وعربية وأجنبية، وتشكو هذه المصارف من قيود الحكومة التي تنحاز إلى مصارفها في النشاط المالي. وإحدى أهم الصعوبات التي تواجهها معظم المصارف تكمن في عجزها عن استرداد القروض من المدينين، بل وتعذر الاسترداد في كثير من الحالات، حتى لو كسب المصرف قراراً قضائياً ببيع الضمانات، وذلك لأسباب تتعلق بالوضع الأمني والضغوط الاجتماعية.

وعلى رغم ضخامة عدد المصارف في العراق، فالعدد لا ينسجم مع عدد السكان، ويبرز ابتعاد الشعب العراقي عن التعامل مع المصارف، فعدد السكان يقدر بنحو 37 مليون شخص، منهم أكثر من 80 في المئة لا يمتلكون حسابات مصرفية، ويوجد 900 فرع مصرفي متمركزة جغرافياً في عواصم المحافظات وبعض المدن الرئيسة. وتدل البيانات على أن الفرع الواحد يخدم نحو 41 ألف شخص في العراق، مقارنة بلبنان الذي يخدم فيه كل فرع أربعة آلاف شخص، ولذلك قدرت بعض الدراسات أن نحو 73 في المئة من الكتلة النقدية بعيدة من الدورة المصرفية، ما يعكس عدم ثقة شعبية بعمل المصارف.

وبما أن القطاع المصرفي العراقي تأثر مباشرة بالأزمة المالية والاقتصادية التي يعاني منها العراق بسبب الحرب على الإرهاب وهبوط أسعار النفط والركود الاقتصادي، فضلاً عن حالات عدم الاستقرار الأمني، تعثرت أوضاع بعض المصارف، وشكا بعضها الآخر من أزمة سيولة، وأحدث عدد منها خروقاً بعدم التزامها المعايير السليمة، الأمر الذي حمل المصرف المركزي على إعداد دراسة عن واقع المصارف الحكومية والخاصة تمهيداً لإعادة تقويمها وتصنيفها، وذلك بمشاركة رابطة المصارف العراقية، وفي الوقت ذاته وضع المصرف المركزي يده على أربعة مصارف تجارية لارتكابها مخالفات في سياساتها المالية وعدم رفع رؤوس أموالها وفق القانون، كما قرر تصفية «مصرف البصرة الأهلي» نهائياً، وصادقت محكمة التمييز الاتحادية على قرار بسجن صاحبه ومديره 10 سنين لاختلاسهما أكثر من 310 بلايين دينار (250 مليون دولار) من «مصرف الرافدين» الحكومي، في واحدة من أكبر قضايا الاختلاس، مع الإشارة إلى أن بعض رجال المال والأعمال أعادوا سوء الإدارة في القطاع المصرفي إلى سيطرة رجال المال عليه، وهو أمر ساهم في استغلال الأموال المودعة من بعض مديري المصارف للاستثمار الخاص بهم، وفي شكل مخالف للقانون، وحملوا الحكومة المركزية مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي لانعدام التخطيط والتنظيم.

وتعاني المصارف العربية والأجنبية مشكلات وتعقيدات في عملها داخل العراق، وتشكو من عدم اتخاذ «المركزي» أي قرارات إجرائية بما يتعلق بتعزيز الصيرفة الشاملة، وحل مشكلة القيود المتعلقة بالضمانات المطلوبة في مقابل منح التسليفات، بالإضافة إلى إلزامها بزيادة رأس مالها. كذلك برزت أخيراً مشكلة تتعلق بالمصارف العاملة في منطقتي أربيل والسليمانية، التي تأثر عملها بفصل عمل المصرف المركزي العراقي فيهما عن المقر الرئيسي للمصرف في بغداد، وأبلغت هذه المصارف رسمياً أن فرعي المنطقتين أصبحا مرتبطين بوزارة المال في إقليم كردستان، الأمر الذي قد يلزمها تكوين مؤونات على المبالغ المودعة، ما يحد من هامش ربحيتها. وهناك مشكلة تطالب المصارف العربية والأجنبية بحلها نتيجة خفض سعر صرف الدينار، لجهة إبقاء أي رؤوس أموال تدفعها، بالدولار وعدم تحويلها إلى العملة العراقية. ونتيجة لتراكم كل هذه المشكلات، والتكاليف التي تتحملها بسبب الضغوط التي تتعرض لها، في مقابل مردود ضعيف نسبياً، تفكر إدارات بعض هذه المصارف بالانسحاب من السوق العراقية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة