|   

النسخة: الورقية - دولي

في الشهور التي اعقبت انتخاب الرئيس ترامب، ابتهج العديد من مناصري اسرائيل في الولايات المتحدة بسبب تعهده انشاء علاقة جديدة وأكثر دفئاً مع اسرائيل وإبداء المزيد من التسامح في مقاربة مستوطنات الضفة الغربية ونقله السفارة الأميركية من تل ابيب الى القدس.

وفيما يتوجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الى واشنطن لعقد اللقاء الأول بين الزعيمين، اتسمت الأمور بالبرودة: قال ترامب شيئاً يشبه ما كان اسلافه يقولونه، عن ان المستوطنات «لا تخدم» عملية السلام وألقى ظلالاً من الشك حول التزام حملته نقل السفارة.

وليس جلياً معنى نصف التحول في موقف ترامب. لكن حتى لو تحسنت العلاقات الأميركية – الإسرائيلية تحسناً دراماتيكياً، ثمة سياقات اعمق تفعل فعلها في تهديد الصفات الفريدة للعلاقة هذه.

لدينا معاً [الكاتبان] ما يزيد عن خمسين عاماً من خبرة العمل ومراقبة العلاقات الأميركية – الإسرائيلية وأكثر ما يقلقنا هو تهرؤ القيم المشتركة التي شكلت العلاقة الى جانب الروابط الثنائية الأخرى. من دون القيم هذه، لن تكون المصالح وحدها كافية للحفاظ على السمة المميزة. وإذا لم تبد الإدارة الحرص، ستسرع في الشقاق.

قامت علاقات اميركا دائماً على ركيزتين: تشابه القيم والمصالح الإستراتيجية المشتركة. كانت للقيم تلك جذور قوية حمتها جماعة اميركية يهودية جيدة التنظيم: ما زالت اسرائيل على رغم احتلالها الضفة الغربية، الديموقراطية الوحيدة السليمة في المنطقة؛ يشعر الأميركيون برابط مع ارض التوراة المقدسة؛ وساندت الولايات المتحدة قيام الدولة اليهودية بعد الإبادة النازية.

الركيزة الإستراتيجية اكثر تواضعاً. تجذرت اثناء الحرب الباردة عندما واجهت اسرائيل المخططات السوفياتية والقومية العربية في المنطقة ووفرت للولايات المتحدة معقلاً آمناً لأسطولها في البحر المتوسط مقابل الحصول على اسلحة اميركية.

والحق ان البلدين في موقف استراتيجي غير ملائم. اميركا هي الضامن الأخير لأمن اسرائيل، لكن هذه لا تستطيع الاقتراب من رد الخدمة. ولن يكون الجيش الإسرائيلي موضع ترحيب في الأماكن التي قد تكون فيها اميركا متورطة في الحرب.

في الماضي، عوضت قوة ركيزة القيم عن ضعف الركيزة الإستراتيجية. لكن ادارة ترامب ورثت علاقة عند منعطف مصيري مع اسرائيل باتت فيه الركيزتان ضعيفتين في الآن ذاته.

حتى لو فكك ترامب الاتفاق النووي الإيراني، على نحو ما تعهد اثناء حملته، ستتابع اسرائيل والولايات المتحدة على الأرجح الجدال في شأن افضل السبل في التعامل مع طهران. وبغض النظر عن الخطابة الصادرة عن البيت الأبيض، تقع واشنطن والقدس في موقعين شديدي الاختلاف في النظر الى التهديد الذي يمثله صنع ايران لسلاح نووي. كما احتلت اسرائيل موقعاً متأخراً في انخراط اميركا في العراق وحالياً في سورية حيث يتملك اسرائيل القلق حيال ايران وروسيا اكثر مما يتملك ترامب.

على ان مبعث القلق الحقيقي هو القيم. تتجه الحكومة الإسرائيلية وحركة الاستيطان القوية نحو استغلال موقف الإدارة الأميركية الممالئ لنتانياهو من خلال توسيع المستوطنات والأحياء الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس. وما من شك في ان الحركة الوطنية الفلسطينية سترد باللجوء الى الإرهاب وبإثارة العنف مزعزعة بذلك قضيتها المشروعة. وإذا اخذت في الاعتبار الطبيعة غير المتناظرة للقوة، سيكون الرد الإسرائيلي اشد قسوة ويصنف على انه مناهض للديموقراطية او ما هو اسوأ.

كيف ستبدو الأمور بعد اربع او ثماني سنوات؟ سيعني الدعم الأميركي سياسة اسرائيلية يزداد ميلها نحو اليمين، ان اسرائيل ستبني المزيد من المستوطنات؛ وسيجري التخلي عن ديبلوماسية حل الدولتين؛ وسيملي العنف في الضفة الغربية على اسرائيل استخدام القوة لإعادة فرض النظام. وستواصل السياسة في اسرائيل الانجراف نحو اليمين.

اذا حصلت هذه الأمور، ستزداد سرعة تهرؤ القيم المشتركة. لكن العلاقة الأميركية الإسرائيلية لن تنهار. وستحافظ عليها سياسات الكونغرس وهشاشة العالم العربي، في شكل من الأشكال. لكنها ستكون نسخة باهتة عما كانت عليه ذات يوم. وهذه مأساة حقيقية بالنسبة الى الدولتين.

 

 

* ستيفن سايمون مدير سابق في مجلس الأمن القومي لشؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا. آرون ديفيد ميلر محلل سابق ومفاوض في وزراة الخارجية الأميركية، عن «نيويورك تايمز»، 14/2/2017، إعداد حسام عيتاني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة