|   

النسخة: الورقية - دولي

جرى اتصال هاتفي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأميركي دونالد ترامب، حول كيفية شن عمل عسكري مشترك ضد «داعش» في الباب والرقة. وتبعد «قوات سورية الديموقراطية» (الكردية) عنهما نحو 10 كيلومترات. وفي اليوم التالي، وصل رئيس وكالة الاستخبارات المركزية، مايك بومبيو، إلى أنقرة من أجل الاتفاق على شكل «استئناف العلاقات» الأميركية- التركية، وهي زيارة تزامنت مع ضربات جوية روسية ضد جنود أتراك في الباب.

وقبل ما يزيد على العام، وقع حادث إسقاط الطائرة الروسية على الحدود التركية- السورية، وكان في مثابة ذريعة الى رفع وتيرة النزاع بين موسكو وأنقرة، وتعقيد النزاع. ومذّاك، تعمّق المأزق السوري وبلغ مستويات خطيرة، وتعاظمت تكاليفه على اللاعبين الأجانب.

وأوجه الشبه كبيرة بين حادث مقتل الجنود الأتراك في الباب، وحادث الطائرة الروسية وكان يمكن أن يؤدي إلى رد قوي من أنقرة. فقد اعتبر الرأي العام التركي الأسبوع الماضي أن الحادثة «خيانة» أو «طعنة في الظهر» تقتضي إجراءات حاسمة ضد موسكو. ومع ذلك، لا يقوى الطرفان على المواجهة في حرب جديدة. وعليه قررت موسكو وأنقرة، كما في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، إثر اغتيال السفير اندريه كارلوف، نسيان حلقة مأسوية أخرى في تاريخ البلدين.

وعوض عرض العضلات، بدأ البلدان بالانتقال إلى البراغماتية الباردة. والتزام هذا النوع من البراغماتية يحمل روسيا وتركيا على إيجاد سبل للخروج السريع من الأزمة السورية، وانتهاج سياسة أكثر مرونة. وها هي روسيا تجلس إلى طاولة المفاوضات مع المعارضة المسلحة، التي قبل عام كانت تنعتها بالإرهابية، حتّى أنها دعتها إلى موسكو، في وقت تغض تركيا النظر عما حصل في مدينة حلب وتقصر نفوذها ووجودها على محافظتي إدلب وحلب جزئياً.

والمجهول الوحيد في الأشهر الأخيرة في الأزمة السورية هو سياسة الولايات المتحدة في ظل رئاسة ترامب. ومع ذلك، تشير تصريحاته الأخيرة الى انه لا يملك استراتيجية خاصة لحلّ الأزمة السورية. ولم تغير المكالمة بين الزعيمين الأميركي والتركي في العلاقات الأميركية- التركية في مجال الأمن. ويسعى الرئيس الأميركي الجديد الى مواصلة السياسة الخارجية في الإدارة السابقة التي أرساها جو بايدن، نائب الرئيس أوباما، الذي زار أنقرة في آب (أغسطس) 2016، أي الحفاظ على الود مع الأتراك والأكراد.

والموقف الأميركي معقول ومفهوم. فتركيا - شريك قديم للولايات المتحدة، ولا تريد واشنطن التفريط بالعلاقات بين البلدين. وفي المقابل، الأكراد السوريون هم كذلك، شركاء، لا يقلون أهمية في اعتبارات واشنطن. فالأراضي التي يسيطر عليها الأكراد هي مجال النفوذ الأميركي المطلق. وهذا ما يحمل الأميركيين على تعزيز كفة تقدم الأكراد ضد «داعش». وخلاصة القول، وعلى رغم التصريحات الأميركية حول وشك تحرير الرقة على يد قوات كردية- عربية مشتركة، لا شك في أن «قوات سورية الديموقراطية» تبعد فعلاً 10 كيلومترات عن عاصمة «داعش»، في حين أن قوات «درع الفرات» التركية تخوض معركة الباب منذ نهاية الخريف الماضي.

وأظهرت ست سنوات من الأزمة السورية، عجز أي قوة على فرض سيطرتها على كامل البلاد. وصارت الأطراف كلها أسيرة الوضع القائم بسبب الخسائر الكبيرة. وعليه، يبدو تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ الوسيلة الأكثر واقعية لحل الأزمة السورية، مع احتساب مصالح أكبر عدد ممكن من الأطراف المعنية، في وقت تنحسر الفائدة المرجوة من مفاقمة وتيرة الصراع في حسابات الأطراف المتورطة.

ولذا، لا يبقى أمام موسكو وأنقرة غير سبيل يتيم للخروج من الصراع وهو تثبيت الوضع الراهن. وهذا ما سعت إليه المبادرة الثلاثية من روسيا وتركيا وإيران في نهاية 2016. والاتفاق بين وزراء الخارجية والدفاع للدول الثلاث في موسكو، أدّى إلى بدء تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ. وساهمت عملية بدء التقسيم في الانخفاض النسبي للصراعات في شمال غربي سورية، ووسع موسكو إعلان بدء سحب قواتها. وتلقى الأتراك، في المقابل، ضمانة مفادها عدم اعتداء جيش النظام السوري على محافظة إدلب، فوسعهم (الاتراك) الانصراف الى الاستيلاء على مدينة الباب المهمة استراتيجياً في حساباتهم.

وعلى رغم هذه الترتيبات، قد يكون ثمن الخروج الروسي من الأزمة السورية باهظاً. وإذا قسمت سورية إلى مناطق نفوذ، تصدرت مسألة إعادة الإعمار جدول الأعمال السوري. ووفقاً لتقديرات متباينة لتجاوز آثار الحرب الأهلية، يحتاج الاقتصاد السوري إلى استثمارات تفوق التريليون دولار أميركي. والمسؤولية المالية في كل منطقة نفوذ، ستقع في المقام الأول على عاتق الضامن الخارجي. وهذا، بدوره، يشير الى أن نفوذ أي بلد سيحدده ليس الوجود العسكري فحسب بل كذلك حجم الاستثمارات في الاقتصاد السوري.

وستضطر روسيا الى مواجهة تحديين بارزين، أولهما، جمع أموال لازمة لإعادة تأهيل البنية التحتية في المناطق التي يسيطر عليها النظام. ومعظم دول العالم لم تعد تعترف بمشروعية نظام الأسد منذ عدد من السنوات، وفرص مشاركة المجتمع الدولي في إنعاش الاقتصاد السوري منخفضة. وثانيهما، اضطرار موسكو الى التنافس على النفوذ السياسي في دمشق مع لاعبَيْن على الأقل: إيران، الحليف الرئيسي للنظام البعثي، والصين التي أعربت مراراً عن رغبتها في العمل في سورية ما بعد الحرب. والعلاقات الروسية- الإيرانية أمام اختبار جدي بسبب عداء ترامب لطهران. وإيران اليوم هي حجر العثرة الأساسي الذي يحول دون تعاون موسكو مع واشنطن في سورية. وتساهم هذه العثرة في تعاون الحكومة الروسية الوثيق مع تركيا، مما يؤدي الى تعاظم التوتر في طهران ودمشق.

أما الصين فلا تزال تدير سفارتها في دمشق، وتحافظ على الحوار مع أعلى مستويات الحكم. وليست بكين مطلعة على مشاريع ترميم الاقتصاد والبنية التحتية السورية فحسب، بل هي ترمي الى استبعاد مشاركة منافسين لها من بلدان أخرى. واحتمال حصول الصينيين على الحصة الأكبر من عقود ببلايين الدولارات في سورية مرتفع.

 

 

* خبير في شؤون الشرق الأوسط، محاضر في معهد العالي للاقتصاد في موسكو، عن «فيدوموستي» الروسية، 13/2/2017، إعداد علي شرف الدين

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available