|   

النسخة: الورقية - دولي

قبل عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، عرفت بلاد الشام نشوء القرى الأولى في التاريخ، بحسب عالم الآثار الفرنسي جاك كوفان، حيث أورد ذلك في كتابه المهم «القرى الأولى في بلاد الشام»، الذي نقله إلى العربية وقدم له المفكر الراحل إلياس مرقص.

مع نشوء تلك القرى الأولى بين الألف العاشر والألف السابع قبل الميلاد، أي قبل حضارات أوغاريت وماري وإيبلا والحضارات النهرية، أنشئت «عتبة التاريخ البشري»، أو «مقدمة التاريخ»، وتحضير الإنسان للانتقال من وضعيته كابن للطبيعة ليصير ابناً للتاريخ، وفعلاً انتقل الإنسان مع «قرانا الأولى» من كهف إلى بيت، ومن حالة إنسان القطف والصيد والقنص والافتراس إلى إنسان العمل في الزراعة وتربية الحيوانات، وبذلك وضع المداميك الأولى لانطلاق بروميثيوسيته في أنسنة الطبيعة والسيطرة عليها، وانطلقت المسيرة البشرية المعقّدة نحو الاجتماع والتحضر والمدنية وبناء الممالك والأوطان.

ومثلما كانت القرى الأولى في بلاد الشام، كما يقول كوفان، مرحلةً «كف فيها الإنسان عن كونه نوعاً قانصاً بين أنواع أخرى، واستولى آنذاك على دوره النوعي كبستاني للعالم»، رمزاً لتحول تاريخي ضخم ونوعي، فإن المسالخ البشرية المستمرة في سورية منذ ست سنوات، والتي كان مسلخ صيدنايا نسختها الأخيرة، تمثل رمزاً لعملية تحول تاريخي معاكسة، محتواها النكوص إلى «إنسان» التخريب والنهب والقتل، الذي تمثله الكائنات الميليشياوية، وقد أصبحت سمة من سمات الواقع السوري. فالكائن الميليشياوي هو «إنسان» القتل والنهب والتخريب مدفوعاً إلى حدوده القصوى.

كما أن ردود أفعال العالم المتحضر الباهتة على مسالخ سورية البشرية، وعجز المجتمع الدولي عن إيقاف تلك المقتلة غير المسبوقة، وترافق ذلك مع صعود الحركات اليمينية والشعبوية في أوروبا وأميركا، وضمور البعد الإنسي لـ «المواطن العالمي»، وفقدان الحساسية العالمية تجاه القتل، تزيد من رمزية الكارثة السورية ودلالاتها الكونية على هذا النكوص العالمي الخطير.

بكلام آخر، إن المسالخ البشرية السورية المترافقة مع القضاء على العمران والاقتصاد والاجتماع البشري، ومع الحضور الكثيف للقوى الدولية والإقليمية في الصراعات الدائرة على الجغرافيا السورية، وارتباطها بالكائنات الميليشياوية المتناسلة من أرحام المنظومات الاستبدادية الظلامية كالدولة السلطانية المحدثة والخمينية والتنظيمات القاعدية، وتزامنها مع إمساك حكام الهويّات ولوبيات المال والسلاح والنفط بمصائر البشر، وتزامنها، كذلك، مع تقاطع ظواهر ما بعد الحداثة وما قبلها في عالمنا الحالي، تجعل روح «القرى الأولى في بلاد الشام» مسألة راهنة، بوصفها روحاً موجهة ضد «إنسان» التخريب، الذي ينمو بقوة في عالمنا المعاصر.

ولم يعد خافياً أن قضية القضايا، في عالم يمسك بمفاتيح أسلحته النووية كل من ترامب وبوتين وحفيد كيم إيل سونغ، ويحاول خامنئي الإمساك ببعضها، هي بناء الإنسان كمفهوم كلي غير مستنفد في «قطعان» الهويّة. وفي الطريق الطويل إلى ذلك الهدف، لا بد من إعادة الربط والفصل انطلاقاً من بلاد الشام، ما بين الخط الذي يصل القرى الأولى فيها بديكارت وجان جاك روسو وفولتير وكانط، وبين الخط الذي يصل بين الهمجيات البدائية، التي سادت في مرحلة ما قبل التاريخ ومسلخ صيدنايا.

 

 

* كاتب سوري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available