|   

النسخة: الورقية - دولي

تكاد العلاقة بين الإسلام والحداثة تمثل أكثر عمليات التثاقف صعوبة وممانعة. فالتيار السلفي في الفكر العربي يرفضها مبدئياً، أما التيار التوفيقي فقد ضل الطريق إليها عملياً، ولذا لم يبلغ غايته لأكثر من قرن ونصف القرن أي عمر محاولات النهضة العربية الثانية.

يفترض الموقف التوفيقي قيام الذات العربية، وكأنها في فترة استراحة تاريخية، بوضع التراثين أمام ناظريها: تراثها الذاتي، وتراث الآخر الغربي، لتنتقي من كليهما ما تريد. ولأن التاريخ لم يتوقف أبداً، ولم يحصل العرب قط على تلك الاستراحة، بل دخلوا إلى العصر الحديث تحت ضغط الاستعمار والصهيونية ناهيك بالتخلف التاريخي الساحق، كان فشل هذا الخيار محتوماً، ومن ثم آن الأوان للغوص إلى أسفله وفي خلاله كما في سياقاته، بهدف توسيع ممكناته وتفتيح آفاقه.

نحتاج، إذاً، إلى تعديل في استراتيجية الفكر النهضوي من مفهوم التوفيق «السكوني» إلى مفهوم النقد التاريخي «الجدلي»، وممارسة هذا النقد في أفق تاريخي مفتوح، تتوازى فيه المرجعيات وتتفاعل الثقافات في شكل دينامي في ما بينها، أو مع حركة التاريخ، بدلاً من تقنيم إحداها، وإحالتها إلى معيار تقاس عليه الثقافات الأخرى. هنا تمكن مقاربة التراثين (الغربي والعربي) للكشف عن حجم المشترك الثقافي بينهما في سيرورة تطورهما الذاتية، والآليات الخفية التي من خلالها تم التفاعل بينهما، وهو تفاعل كبير لم يجر بالضرورة مباشرة بين الطرفين في قاعة تفاوض فندقية، بل تلقائياً مع الأبنية التاريخية والمفاهيم التأسيسية التي صاغها كل منهما في حقبة تفوقه وريادته.

وهنا يصبح عصر التدوين العربي حاضراً وملهماً، كما أن عصر التنوير الغربي حاضر وملهم، فيما يتكفل النقد التاريخي بمهمة تقييم مرتكزات الحضور، ومصادر الإلهام، وكيف استجابت، سلباً وإيجاباً لمسار تطور العقل البشري نحو العقلنة والأنسنة والعلمنة، حيث الحضارة الإنسانية بنية تاريخية واحدة وإن تفاوتت المراكز الثقافية داخلها بين من ينتج الحضارة ومن يستهلكها، والخبرة الإنسانية مشتركة، لا يملك أي كان الانخلاع عنها، أو النأي عن تيارها الأساسي، حتى لو أراد.

لقد آن الأوان إذاً لامتلاك الحداثة عبر الاندراج فيها كتجربة إنسانية كبرى تعكس سيرورة تطور العقل البشري، وليست مجرد مغامرة خاصة بالعقل الغربي، ما يفرض علينا إما الوقوف عند حدودها من دون مقاربتها، وإما محاولة تسولها.

عبر هذا المنهج يمكن الادعاء بنتائج مدهشة. فكل ما هو إيجابي في الحداثة يكاد يكون إنسانياً، إذ إن الخبرة المشتركة تمثل مستودعاً للحكمة التاريخية، تتراكم داخله القيم الإيجابية التي تنال إجماعات البشر ورضاهم حول ما يبدو وكأنه المحصلة الكيفية للفطرة الإنسانية، الأمر الذي ينفي حيثيات موقفين شديدي التناقض:

الموقف الأول هو الاستسلام لدونية حضارية ترى الغرب نموذجاً مثالياً ومطلقاً لا بد من احتذائه حتى النهاية، واحتسائه حتى الثمالة، كما رأى التيار الحداثي - العلموي الذي سطع مطلع القرن العشرين، داعياً إلى القبول بالغرب ملهماً لممارساتنا الكلية، وإلى اعتبار قيمه ومعاييره مرجعية نهائية لنا، وقوعاً في أسر الصورة المثالية للتنوير، والتي تتمتع لدى هذا التيار بقدسية كبيرة، تسكت عما يستبطنه تيار الوعي الغربي العقلاني - الليبرالي في تجاويفه من عقد استعلائية ونزعات عنصرية.

ويكفي هنا أن نحيل إلى الركام الهائل لنزعة التمركز حول الذات، وما أنتجته من معارف متحيزة تقول بسموه الأخلاقي وتفوقه العقلي البدئي، ودنو من هم سواه أخلاقياً، فضلاً عن تخلفهم المطلق، ما أنتج تلك النزعة الكولونيالية الآثمة، التي لم يكد يتجاوزها بعد. وهو ما ينطبق أيضاً على المثقف الغربي داعية الحرية والعقلانية والذي تنطوي مواقفه أحياناً على مفارقات تبدو مذهلة. فالفيلسوف الألماني ليبنتز، صاحب مفهوم المونادة الروحية، المفترض كونه مثالياً، هو نفسه الذي أراد تسخير الآخرين لخدمة أوروبا الصاعدة في زمنه، فلم يتوقف عن الدعوة إلى استعمار الأقاليم المركزية في العالم وضمنها مصر، التي حرَّض العرش الفرنسي طويلاً على احتلالها، حتى جاءها نابليون باسم الثورة والجمهورية. أما فولتير أحد أنبياء الحرية ورواد التنوير الأوروبي، الذي نردد دوماً مقولته الشهيرة والرائجة عن استعداده لدفع حياته ثمناً لحرية مخالفة في إبداء رأيه، فهو نفسه صاحب كتاب «الملك الشمس» الذي يسكب فيه ولعه وتقديره لملك فرنسا لويس الرابع عشر أحد أبرز نماذج الاستبداد الأوروبي في العصر الحديث وصاحب المقولة الأكثر شهرة «أنا الدولة»، وهو موقف يذكرنا بمديح الشاعر العربي الكبير أبي الطيب المتنبي لسيف الدولة الحمداني، ما يكشف عن اختزالية الخطاب العلموي.

وثانيهما هو الادعاء بالخصوصية الحضارية المطلقة، هروباً من كل ما هو إنساني ومعاصر. وهو موقف سلبي غالباً ما يصاحب الشعور بالهزيمة الحضارية، وما تثيره من محاولة الاختفاء خلف قشرة من التعالي الزائف على الآخر، فتصبح الحضارة الغربية (على رغم تقدمها) نموذجاً للخواء الأخلاقي في مقابل الحضارة الإسلامية، التي تعد (على رغم تخلفها) نموذجاً للكمال الأخلاقي، وكأنهما سفينتان متعارضتان، لا يمكن ركوبهما معاً، وفق وصف أبي الأعلى المودودي، الذي جسد الحد الأقصى للنزعة السلفية وتصوراتها (الاختزالية) عن الأخلاق الإنسانية. لدى هذه النزعة تتبلور رؤية نصّية للإسلام أساسها القرآن الكريم، تتعامى عن واقعنا التاريخي الحي وما فيه من نقائص، فيما تتبلور رؤية للغرب أساسها النزعات المادية المتطرفة التي يزخر بها واقعه والتي اعتبرت بمثابة تناقضات في تجربة الحداثة، يقوم تيار كبير لديه على نقدها.

والأكثر إثارة هنا أن يبرر العقل الأصولي ما يعتبره دنواً أخلاقياً غربياً بدوافع عقدية، أي لكونه مسيحياً، فيما يتم إهمال الروحانية المسيحية الكامنة في النص، وتكفي الإشارة هنا إلى موعظة الجبل (متى، الإصحاح الخامس) التي تعكس أقصى درجات السمو الأخلاقي والتراحم الإنساني، ومن ثم تكمن سذاجة الخطاب الأصولي عن الذات والعالم.

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available