|   

النسخة: الورقية - دولي

تطرح المفاوضات المقبلة في جنيف، التي تعتبر الرابعة بين الجولات التفاوضية، أسئلةً عدة، تخص الصراع السوري، مثلاً، هل وصلت الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في هذا الصراع إلى درجة من التوافق تسمح بوضع حد للقصف والقتل والتدمير والتهجير؟ أيضاً، هل هذه الجولة ستكون الأخيرة، أم ستعقبها جولات خامسة وسادسة و...؟ ثم هل التسويات أو الحلول المطروحة ستكون نهائية أم موقتة، كاملة أم جزئية؟ وأخيراً ماهي الخيارات الحقيقية أمام السوريين من دون تجميل في الألفاظ أو اختباء وراء المصطلحات، التي لم تنتج حتى اللحظة ولادة خيار سوري - سوري ينهي المأساة ويخلص السوريين من المتسببين بها؟

في هذه الحال، وبواقعية شديدة فنحن إذاً أمام خيارات عديدة ومختلفة، لكن ليس من بينها، مع الأسف، ما قامت من أجله الثورة، وإن كان بعض المكابرين ما زال يلقي بخطب عصماء يعود صداها إليه وحده. أما هذه الخيارات فلعل أهمها:

أولاً، خيار مسار جنيف، عبر التوصل إلى صفقة بين النظام والمعارضة برعاية دولية، وهو «البروفا» الرابعة بين الطرفين، والتي تحدث بعد خسارة المعارضة لمواقع كثيرة، بالقياس لما كانته في المراحل السابقة، بين جنيف 2 وجنيف 4، وضمن ذلك فقد استعاد النظام، بموجب الاجتماعات التي جرت بين الجولات أخيراً في آستانة، موقعه دولياً، مقابل اعترافه بالمعارضة بشقيها، العسكري الذي كان يصفه بالإرهابي، والسياسي الذي استطاع كل من النظام وروسيا أن يعمل على تشتيته وشرذمته، بإدخال جماعات محسوبة على النظام تارة، وبتعدد منصاته واختلاف مرجعياته تارة أخرى. أما المعارضة، بشقيها السياسي والعسكري، فهي تمر بوضع صعب، يتمثل بانقسامها على نفسها، وبالتحاصص بين أطرافها، بدل أن تكون متوافقة على تمثيل واحد ومشروع واحد يحدد ملامح وشكل سورية، التي تذهب للتفاوض عليها مع النظام، بل ومع المجتمع الدولي عموماً.

ثانياً، خيار استمرار الواقع الراهن، أي استمرار الصراع المسلح، والقصف والتدمير والتهجير، ومحاولات فرض الأمر الواقع، سواء من النظام أو فصائل المعارضة، وهو خيار لا يخدم أي حل، وهو مفروض على الثورة، بحكم أن عسكرتها أصلاً لم تكن خياراً لقوى الثورة عند اندلاعها، والتي كانت تفتخر وتتغنى بسلميتها «سلمية سلمية». وكلنا نذكر أن هذا هو الخطاب الذي جمع حوله المؤمنين بحق السوريين بالتخلص من نظام الاستبداد، وإقامة دولتهم المدنية الديموقراطية (اللاعسكرية واللادينية واللاطائفية)، لاستعادة حقوقهم كمواطنين أحرار متساوين، وذلك أمام تغول الأجهزة الأمنية عليهم، من دون أن يفهم من ذلك أن خيار العسكرة لم يكن بدفع من النظام، وباضطرار من بعض قوى المعارضة، التي وجدت نفسها معنية أمام همجية النظام وعدوانه على الشعب، بحمل السلاح دفاعاً عن المدنيين ومناطقهم، فهذا أمر وما حصل في مسارات العسكرة والأشكال التي تحكمت بها أمر آخر.

ثالثاً، خيار التوصل إلى حلول موقتة، أو مناطقية، على طريقة الهدن، على نحو ما حدث في أكثر من منطقة، وهو خيار يفرضه واقع مأساوي، حيث الحصار الذي فرضه النظام على المدن والأحياء في ظل التجويع والقصف المستمر، ثم لاحقاً التهجير الممنهج للسكان من مناطق تقع ضمن ما بات يعرف بـ «سورية المفيدة»، والمساحات الحدودية مع دول الجوار، وتحديداً لبنان، ليبقي على خطوط تواصل مع ذراعه المتمثلة بميليشا حزب الله.

رابعاً، خيار التوافق الإقليمي على فرض صيغة تسوية على السوريين، وهو الخيار الذي انتهجته الدول التي فرضت اجتماع آستانة، الشهر الماضي، والذي جمع بين وفدي النظام والمعارضة، بضمانة ورعاية الدول الفاعلة في الملف السوري، وهي روسيا وإيران (النظام) وتركيا (المعارضة) وبمراقبة اللاعب الرئيسي الذي اختار خلال السنوات السابقة مسك الخيوط وتحريك الأجندات عن بعد، بناءً على رغباته وتوافقاته وحدود صبره وهو الولايات المتحدة الأميركية.

مع ملاحظتنا لهذه الخيارات، أو السنياريوات، على أهميتها، ينبغي الانتباه إلى مسألتين، الأولى، إن كل هذه الخيارات المطروحة هي من صلب الواقع الذي نعيشه سورياً، والذي يؤكد أن الأطراف السورية سواء ذهبت إلى جنيف لتتفاوض أم لم تذهب، هي اليوم مجرد فاعل ضعيف أو تابع، تتحدد مهماتها وفق الإرادات الدولية والإقليمية الفاعلة ليس إلا. والثانية، أن الأمر لا يتعلق بموازين القوى بين المعارضة والنظام، فقط، اللذين باتا في غاية الإنهاك والاستنزاف والارتهان للخارج، وإنما يتعلق أكثر بالحل المنشود بمدى الاختلاف أو التوافق الدولي والإقليمي، على ديمومة الصراع، أو اتخاذ قرار حاسم بوقفه.

في الغضون، يفترض أن تدرك المعارضة أن تلك الخيارات محكومة، أيضاً، بأدوار أربعة لاعبين رئيسيين: الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران، على التوالي، مع التبادل في موقع الطرفين الثالث والرابع، بين تركيا وإيران، وهذا ليس تفصيلاً عادياً، إذ إنه يؤثر في مستقبل سورية والشعب السوري. فكما شهدنا فإن ازدياد الدور التركي في معادلة الصراع السوري سيؤدي إلى تضاؤل الدور الإيراني، وتالياً زعزعة مكانة النظام في أي تسوية مهما بعدت أو اقتربت من هدف الثورة الأساسي، والعكس صحيح في المسألتين المطروحتين.

على ذلك فإن كل ما يمكن أن تتمخّض عنه مفاوضات جنيف4 إنما هو نتيجة واستمرار لحالة الاستنزاف بين الجانبين، أي النظام والمعارضة، غايتها تقديم أوراق اعتماد الأطراف الدولية للحل في سورية، بالاعتماد والتوافق، أيضاً، وربما قبلاً، على حل ملفات كثيرة خارج سورية. وربما أن ذلك يشمل ملف العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية والحظر.

 

 

* كاتبة سورية

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة