|   

النسخة: الورقية - دولي

لم يكن مفاجئاً خروج مفاوضات جنيف 4 بسلة فارغة على رغم الزمن الذي اتخذته قياساً الى جولات سابقة. كما أن تصريحات رئيس وفد النظام عن أن "الإيجابية" الوحيدة هي الاتفاق على اجتماعات مقبلة، كان معبّراً. واذا كان وفد المعارضة، المكون من معارضات وفق الارتباطات العربية والإقليمية، قد أتى وفي ذهنه تحقيق مكاسب سياسية، فإن ما شهده خلال المؤتمر يجب ان يكون كافياً ليدرك أن مفاتيح حل الأزمة ليست في يد النظام السوري ولا في يد المعارضة او المعارضات السورية، بل تقيم في أماكن أخرى مُقررة.

لم يعد سراً أن مفتاح التسوية في سورية تملكه روسيا في شكل قاطع، وهي تحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض. على رغم الموقع الذي تحتله إيران وميليشياتها اللبنانية والعراقية، وكذلك تركيا وميليشياتها ايضاً، إلا أن هذه القوى عاجزة عن فرض جدول أعمال اي مؤتمر للتسوية والسير به منفرداً، هذا في حال كانت هذه القوى ترغب في الوصول الى تسوية في الوقت الراهن.

بالنسبة الى روسيا، الأزمة السورية تشكل ورقة قوية ورابحة في الصراع على النفوذ الإقليمي والدولي، تستخدمها في الصراع مع الولايات المتحدة الأميركية على تقاسم مناطق النفوذ وعلى تسويات في مناطق دولية ترى فيها روسيا مواقع تريد الحفاظ عليها. هنا المفتاح، وهنا القرار. لكن السؤال يظل مطروحاً، هل ترغب روسيا ومعها النظام حقاً في الوصول الى تسوية للأزمة؟ وهل ترغب القوى الإقليمية الإيرانية والتركية بإنهاء هذه الحرب؟ أسئلة تشكل الأجوبة عليها بعض المعرفة لمآل سورية مستقبلاً.

ولأن روسيا غير راغبة راهناً في السير بتسوية، فهي تسمح لسائر الأطراف "باللعب" في الوقت الضائع. لذا وجد النظام نفسه بلا قيود في مواصلة استخدام العنف في ضرب مناطق غير موالية له، وفي التقدم لقضم مناطق أخرى. كان النظام يطبق نظريات عسكرية تؤكد تواصل العمل العسكري مع المفاوضات الجارية، لأنها تشكل وسيلة ضغط على الطرف الآخر. كان من المستهجن عودة "داعش" الى مدينة تدمر بعد أن استعادها النظام. بدت مسرحية هزلية تسليم المدينة مجدداً الى التنظيم الإرهابي من قبل النظام، ثم رفع الصوت عالياً من أجل استعادتها. لا شك في أن النظام يريد بقاء مناطق ساخنة تبرر له نظرياته في محاربة التطرف والإرهاب. كما استكملت المسرحية بالدخول الروسي لاستعادة المدينة وطرد "داعش" منها، وتصريح الأركان الروسية في شكل صريح عن استعادتها المدينة بقواها الخاصة وبسلاح الجو الذي حسم المعركة.

في المقابل، لا تبدو إيران مستعجلة على السير بتسوية قبل أن تتوضح ملامح هذه التسوية التي تضمن فيها مصالحها واستثماراتها المادية منها والبشرية التي دفعت فيها غالياً. يكثر الكلام عن تباين بين إيران وروسيا في شأن مستقبل سورية. يذهب البعض الى القول بتناقضات واحتمالات صدام بين الطرفين. ترى إيران في انخراطها في الحرب السورية والمعاندة في بقاء الأسد في السلطة، دفاعاً عن أمنها القومي في الداخل الإيراني. بل ان التورط الإيراني بات ورقة في الصراعات الداخلية التي تشهدها إيران عشية انتخابات الرئاسة والبرلمان، فيما يرى مرشدها أن سورية مسألة حياة او موت لإيران، خصوصاً بقاء الأسد في موقعه.

أما تركيا التي باتت في قلب الحرب السورية، فإن أهدافها في منع الأكراد تحقيق مناطق نفوذ وحكم ذاتي، تجعلها في وضع تمزج فيه بين العمل العسكري لطرد القوى الكردية، وبين مساومة مع روسيا على مناطق آمنة وعلى بسط سيطرتها على شريط تضمن من خلاله منع الهجمات عليها. اذا كان الأكراد قد توهموا لفترة بأن الحلم في كيان ذاتي بات على مرمى حجر، فإن هذا الحلم يتبدد الآن في معمعة الصراع على سورية، بحيث يصبح الأكراد "فرق عملة" وسط المصالح الدولية والإقليمية المتصارعة.

تبقى كلمة أخيرة تطاول المعارضة او المعارضات التي شاركت في مؤتمر جنيف. لا شك في انها حاولت أن تفرض مطالبها في المؤتمر، وخصوصاً قضية الانتقال السياسي والإصرار على أن لا يكون لبشار الأسد دور في مستقبل سورية، وهي النقطة التي رد فيها وفد النظام بالطلب أن يكون بند محاربة الإرهاب في جدول الأعمال، ليتحول النقاش الى المعارضة وصلتها بالتنظيمات الإرهابية. هذه مسائل تحصل في كل مفاوضات. لكن معضلة المعارضة تكمن في انتماءتها والقوى العربية او الإقليمية التي تمسك عملياً بقرارها. ما يجب تسجيله ايجاباً هو بلورة مواقف شبه موحدة، فيما تكمن السلبية في عجزها في توحيد وفدها.

ستمر على سورية مؤتمرات متعددة قبل الوصول الى تسوية. الثابت سيظل شلال الدم الذي يدفع الشعب السوري ثمنه، نظراً الى انه اللغة الوحيدة التي يتقنها النظام ورعاته.

 

 

* كاتب لبناني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available