|   

النسخة: الورقية - دولي

يستغل «جيش الإسلام»، في الغوطة الشرقية لدمشق، نشر مقال يرى فيه مسّاً بالذات الإلهية في مجلة «طلعنا ع الحرية» ليقفل مكاتب مجلات ومؤسسات مدنية أخرى لا علاقة لها بالأمر. أمر الإغلاق يطاول مؤسسة تعنى بالأطفال، وأخرى تعنى بتمكين النساء ومساعدتهن، ومؤسسة «اليوم التالي» و»لجان التنسيق المحلية». فضلاً عن مكتب توثيق الانتهاكات الذي يُتهم «جيش الإسلام» نفسه بخطف أربعة من العاملين فيه، قبل أكثر من ثلاث سنوات، هم رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي، من دون معرفة أية معلومة عنهم حتى الآن.

المقال الذي أثار المشكلة يستلهم مقولات فكرية شاعت قبل نحو عقدين في الغرب، تتحرى الرابط بين الأديان والدول والمجتمع البطريركي، مع قسر حادث إصابة طفل سوري تحت قصف قوات الأسد، وقطع رجليه واستنجاده بأبيه ليحمله، على قياس تلك المقولات. لكن بالطبع لا أحد في سلطة الأمر الواقع، المتعينة في «جيش الإسلام»، مكترث بمناقشة فكرة المقال، ولا أحد اكترث أيضاً بمبادرة إدارة المجلة إلى سحب المقال والاعتذار عنه تجنباً للمشكلات، ومن المرجح أن تكون الغاية قد تحققت بما أعلنته المجلة عن إيقاف نشاطها في الداخل السوري.

سيكون ثمة من يدافع عن «جيش الإسلام» بالقول إن قرار الإغلاق هو لحماية تلك المؤسسات «الخاطئة» من غضب الجمهور، أي أن سلطة الأمر الواقع بهذا المعنى أكثر تفهماً للحرية من الجمهور المتعصب! ومن المفهوم وجود جمهور انفعالي، تتحرك عواطفه اليوم على إيقاع «المظلومية السنية» العائدة لمجريات الصراع الشيعي – السني في المنطقة، حيث يتعدى الدفاع عن تنظيم إسلامي الخوض في الحادثة نفسها، إلى كونه دفاعاً عصبوياً وطائفياً في آن، حتى إذا كان أصحابه يحسبون أنفسهم من دعاة الحرية أولاً!

خارج التبني المباشر لموقف سلطة الأمر الواقع، تطل التسويغات التي يدعي أصحابها الواقعية والعقلانية، بزعم التجرد عن الدوافع الأيديولوجية، وهم ربما كانوا كذلك في حياتهم الشخصية وطرائق تفكيرهم عموماً. أهم هذه التسويغات القول بأن هذا ليس وقتها، وأن الظروف الحالية الحساسة تستدعي مراعاة مشاعر أولئك الذين يتعرضون يومياً للقصف، والذين لا يجدون ما يصبّرهم عليه سوى إيمانهم.

هكذا، بضربة واحدة، يصبح صمود الأهالي في بيوتهم نابعاً من الوازع الديني فقط، وكأن نزوح عدد مضاعف عن الذين صمدوا نابع من قلة الإيمان. وهكذا أيضاً يتم تنميط أولئك الصامدين، وفق تصور نقي لا يبتعد كثيراً عما يروّجه النظام عندما يتحدث عن بيئة حاضنة للإرهاب، وفي المقام نفسه يتناسى أصحابه تلك التظاهرات التي انطلقت من بين هؤلاء الناس منددة بالنهج القمعي لـ «جيش الإسلام»، أو بامتلاء مستودعاته بالأغذية بينما يعاني المحاصرون آثار سياسة «الجوع أو الركوع» التي يتبعها النظام.

جماعة «هذا ليس وقتها» ينسون تاريخاً حافلاً لهذه العبارة، فأزلام النظام نفسه كانوا يواجهون بها طيلة عقود ما يعتبرونه نقداً مقبولاً، طبعاً في حال عدم إيداع أصحاب هذا النقد في المعتقلات. حرية الرأي والتعبير لم يكن وقتها خلال نصف قرن، لأن ظروف الصراع مع العدو الإسرائيلي ومع المؤامرة الإمبريالية العظمى لم تكن تسمح بها، ولأن الأعداء سيتسللون من خلالها لتقويض الداخل. التنمية الاقتصادية لم تكن المطالبة بها في وقتها، لأن العائد الاقتصادي ينبغي أن يتوجه أولاً لدعم الجيش، الجيش الذي سيحقق أهم إنجازاته لاحقاً بإبادة المواطنين، عدا الفساد المتلطي خلف ادعاء تكريس الاقتصاد لأجله. باختصار، تحت لافتة «الظروف الحرجة والاستثنائية» التي تمر بها البلاد عاش السوريون في ظروف مدقعة على صعيد كل ما يمس كرامتهم الإنسانية.

استعادة النغمة ذاتها من قبل معارضين للنظام لا تبشر سوى باستعادة كم الأفواه، والانتقاص من الحرية تحت زعم وجود أولويات تعلو فوقها لا يعني إطلاقاً سوى الدعس عليها، الأمر الذي عبّر عنه حرفياً قائد «جيش الإسلام» السابق. جدير بالذكر أن جماعة «هذا ليس وقتها» عبّروا من قبل عن استيائهم من إثارة قضية مخطوفي دوما الأربعة، بذريعة عدم الإساءة إلى «جيش الإسلام» وهو يقاتل النظام، بل رأى البعض منهم في جرم الاختطاف قضية شخصية تشوش على المعركة العامة الكبرى، وتناسوا أن الإساءة الكبرى تأتي من خنق الحرية، أو الصمت على خنقها، من أناس يحسبون أنفسهم على ثورة الحرية.

في قضية «جيش الإسلام» وأشباهه تحديداً، ثمة سياق من محاباة التنظيمات الإسلامية لكونها أصبحت القوة الرئيسية التي تقاتل النظام، مع أن نسبة لا يُستهان بها من «المناطق المحررة» حُررت أولاً بجهود فصائل محسوبة على الجيش الحر، قبل تكاثر الإسلاميين لتحرير المحرر! لا يقلل ذلك من استبسال بعض الإسلاميين في قتال النظام، لكن يجب ألا تخفى مشاريع التسلط التي مارستها تلك التنظيمات في مناطق سيطرتها على الحريات العامة والخاصة. وإذا كان صعباً على أنصار الحرية مقارعة عدوين لها في آن، فالثمن الذي يقتضي التضحية بها يساوي أيضاً بينهما لصالح النظام.

القضية هنا ليست الدفاع عن مقال قد نتفق أو نختلف معه، مثلما لم تكن من قبل إدانة أعمال الاعتقال أو الاختطاف نابعة من أسباب شخصية، هي تماماً في إجازة مصادرة الحريات تحت أي زعم. ومن ذلك، التصغير من حجم ما يُرتكب من انتهاكات بالمقارنة مع انتهاكات النظام. تصور كهذا يقلل من انتهاكات النظام التي أدت إلى الثورة، ويجعل من اقتلاع أظافر تلامذة مدارس درعا شأناً معتاداً من شؤون أية سلطة. أما سقوط الضحايا في الاقتتال البيني بين الفصائل الإسلامية، والتكفير المتبادل، فهو بلا شك يدلل على مدى احترام حرية الرأي وعلى مصير الآخر المشابه قبل المختلف.

ما آلت إليه الثورة بعد ست سنوات، وإن أمكن رمي قسم معتبر من مسؤوليته على تدخل قوى خارجية، يشير إلى التهاون في الدفاع عن قضية الحرية، ما أفسح المجال لقوى التسلط بالتسلل إلى داخلها. وإذا منع الضعف من مواجهة تلك القوى في مواقع سيطرتها، فأضعف الإيمان عدم الاعتراف بها ممثلاً للثورة، أو مفاوضاً باسمها. نعم، هذا وقتها.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة