|   

النسخة: الورقية - دولي

تهدف كل الرؤى الاقتصادية لدى دول مجلس التعاون إلى تعزيز مساهمة الإناث في القوة العاملة، سعياً إلى العدالة الاقتصادية بين الجنسين، ولحصد المردود الاقتصادي العام الذي يأتي حينما يستفيد الشعب من قدرات الإناث وليس فقط الذكور. لكن أصحاب القرار في كل أنحاء العالم يواجهون صعوبة كبيرة في تحديد السياسات الأمثل لتمكين الإناث، لأن بعض محاولات مساعدة النساء تؤدي إلى الإضرار بهن في شكل غير مباشر، ما يؤكد أهمية مراجعة السياسات في شكل منتظم، بناءً على خبرة الدول الأخرى.

الاختلافات البيولوجية بين الجنسين، وتحديداً الحمل والولادة والإرضاع الطبيعي لدى الإناث، تمنح الذكور أفضلية القيام ببعض المهن التي تتطلب العمل المستدام، والتي لا تناسب من يحتاج مرونة في الدوام. ولذلك طوّرت كثير من حكومات العالم إصلاحات في سوق العمل، مصممَّة خصّيصاً لمساعدة الإناث على المساهمة في سوق العمل من دون التنازل عن الإنجاب أو الإرضاع. مثلاً، قد يفرض القانون على الشركات أن تعطي إجازة مع راتب لشهرين بعد الولادة، أو توفير حضانة في المكتب مخصصة للأمهات العاملات في حال تجاوز عدد الموظفين رقماً محدداً.

ويبدو أن سياسات كهذه تعزز فعلاً الخيارات المتاحة للإناث، وتؤدي إلى مزيد من العدالة الاجتماعية والاقتصادية. لكن قد يكون لبعض هذه الإصلاحات أثر عكسي غير مقصود، لأنها تجعل توظيف الإناث أكثر كلفة وتعقيداً من توظيف الذكور، ما يدفع الشركات للانحياز لمصلحة الذكور على حساب الإناث، وربما في شكل غير مرئي، لئلا يمكن محاسبة الشركات على ذلك. وهذه مشكلة تناظر مشكلة تحديد المستوى الأفضل للحد الأدنى للأجور، إذ يستفيد الموظفون ذوو الدخل المحدود من حد أدنى عال، لكن يتضررُ من تضطرُ الشركة إلى تسريحه، أو عدم توظيفه، نتيجة لعلاوة الحد الأدنى للأجور.

وأجرت الباحثتان الاقتصاديتان كلاوديا أوليفتي من كلية بوسطن الأميركية، وباربرا بترونغولو من جامعة الملكة ماري البريطانية، بحثاً حول أفضل سبل لتمكين الإناث. ويقوم البحث على تلخيص ما يمكن استنتاجه من خبرة مختلف الاقتصادات المتقدمة في سياسات سوق العمل الصديقة للمرأة، فهناك تباين ملحوظ بين دول كالولايات المتحدة، التي تقدم مساعدات محدودة للإناث، ودول الاتحاد الأوروبي، التي تتميز بقوانين داعمة للمرأة. وفيما ترغب دول مجلس التعاون في تعزيز مساهمة الخليجيات في سوق العمل، قد يستفيد أصحاب القرار الخليجيون من هذا البحث لرسم السياسات الأمثل لتمكين الإناث.

بناءً على مقارنات دولية، استنتجت أوليفتي وبترونغولو أن علاقة غير نمطية تقوم بين حجم إجازة الولادة التي تفرضها الحكومة، ومساهمة الإناث في سوق العمل، إذ تأتي أكبر مساهمة حينما تكون إجازة الولادة 50 أسبوعاً. ففي الدول كالولايات المتحدة حيث تبلغ مدة الإجازة 12 أسبوعاً، تقل مساهمة الإناث، لأنهن يواجهن صعوبة في التوفيق بين الوظيفة والولادة. وعلى عكس ذلك، في الدول كالسويد حيث تبلغ مدة الإجازة 70 أسبوعاً، يعوق طول الإجازة التطور المهني لدى الإناث، إذ تتدهور مهاراتهن بسبب طول الإجازة، كما تفضّل الشركات الذكور في شكل غير ملحوظ، نتيجة لكلفة توظيف الإناث.

تمنح الحكومات الخليجية حقوقاً ملحوظة للإناث في سوق العمل، مثلاً في السعودية، يحق للمرأة العاملة في القطاع العام أن تقلل دوامها اليومي بمقدار ساعتين طوال السنتين اللتين تعقبان الولادة. لكن أحد أسباب قدرة الحكومة على منح مواطنيها هذه الحقوق هو اهتمام الحكومة بمستوى المعيشة لدى مواطنيها العاملين في القطاع العام، حتى لو جاء ذلك على حساب المعايير الاقتصادية، كفاعلية القطاع العام والإنفاق الحكومي عليه.

وفي ظل تراجع النفط، وتخطيط الحكومات لتعزيز توظيف المواطنين في القطاع الخاص بدلاً من العام، قد تضطر الحكومات الخليجية إلى مراجعة بعض هذه السياسات، وضمان مواءمتها مع المبادئ الاقتصادية. ولذا، ينبغي التشاور مع ممثلي القطاع الخاص، وممثلي الإناث، لرسم سياسة تناسب النمط الجديد لسوق العمل.

وينبغي أيضاً الاستفادة من البحوث الرصينة والتشاور مع كبار الاقتصاديين العالميين المتخصصين في قضايا الإناث في سوق العمل، لكن يجب الحذر، إذ أنّ خبرتهم تقوم بالأساس على الاقتصادات التقليدية المتقدمة، التي توفّر إحصاءات من السهل تحليلها. وتتصف الاقتصادات الخليجية بهيكل يختلف جذرياً عن اقتصادات العالم الغربي، خصوصاً بسبب تمثيل الوافدين غالبية القوة العاملة. ولذا ينبغي التعاون مع الخبراء الذين درسوا الاقتصادات الغربية لإجراء دراسات حديثة مفصلة خاصة بظروف دول مجلس التعاون.

 

 مدير برنامج الدراسات الدولية في مركز «دراسات» - المنامة

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available