|   

النسخة: الورقية - دولي

في كانون الثاني (يناير)، بدا ان مستقبل «البديل من اجل ألمانيا» واعداً. وجمعت فروكي بتري، رئيسة الحزب، اليمين الشعبوي الأوروبي المتطرف في قمة في مدينة كوبلينز الألمانية. وتوقعت مارين لوبن، رئيسة «الجبهة الوطنية» الفرنسي، في 2017 أن شعب القارة الأوروبية سيستيقظ. ويبدو ان ناخبي ألمانيا استيقظوا، ولكن يقظتهم هي على خلاف ما اشتهت لوبن. فـ «حزب البديل من اجل ألمانيا» خسر ثلث اصواته منذ كانون الثاني. وهذا الهبوط السريع يخالف الدعم الشعبي لليمين الشعبوي في اوروبا، وفي فرنسا وهولندا على وجه التحديد.

ووراء أزمة «البديل من اجل...» ثلاثة عوامل، هي 1) تشديد الحكومة الألمانية سياسات الهجرة. فبرلين بادرت منذ تموز (يوليو) الى اجراءات قلصت عدد المهاجرين الواصلين الى ألمانيا. فهي ابرمت اتفاق اللاجئين مع تركيا، وتسعى الى اتفاق مماثل مع دول شمال افريقيا مثل مصر وليبيا وتونس. وتقليص دفق المهاجرين هو ابرز وعود «البديل من اجل ألمانيا». و2) اشار بروز مارتن شولتز مرشحاً للحزب الاشتراكي الديموقراطي الى منصب المستشار، الى احتمال التغيير في الوسط السياسي الألماني الخابي. فشولتز رئيس البرلمان الأوروبي السابق، وقدم نفسه على انه مؤيد لأوروبا وند موازن للرئيس الأميركي، دونالد ترامب. واستمال شولتز مَن خاب امله من السياسيين الألمان في اوساط اليمين واليسار على حد سواء، فهو ليس من ابناء الوسط السياسي الألماني ولم يشغل يوماً منصباً رسمياً في ألمانيا. و3) تقويض حزب «البديل...» شعبيته من طريق اماطة اللثام عن تناقضاته الداخلية. فمنذ أبصر النور في 2013، سعى الحزب هذا الى الموازنة بين الاستفزاز السياسي وبين مظهر المحافظة المحترمة والمقبولة اجتماعياً. وهذه المقاربة كانت محورية في جاذبيته لاستمالة ناخبي اليمين الوسط المستائين من بقاء الأمور على حالها والمترددين في الاقتراع للمتطرفين. ولكن في الأشهر الأخيرة، تبدد الالتباس الإستراتيجي هذا. ففي اجتماع لحزب «البديل...» في منتصف كانون الثاني المنصرم، طعن بيورن هوكه، استاذ سابق في التاريخ وأحد ابرز قادة الحزب الإقليميين، في مقاربة ألمانيا ماضيها النازي. ودعا الى تغيير المقاربة هذه رأساً على عقب، وطعن في ركن من اركان الهوية الألمانية بعد الحرب الثانية، فنأى الوسطيون المعتدلون عن «البديل...». واضطرت بيتري الى رفض ما قاله هوكه، وتسعى اليوم الى اقصائه من الحزب.

وليس موقف «البديل...» من التاريخ الألماني وراء عجزه عن استمالة غالبية الناخبين. فعلى خلاف غيره من الأحزاب اليمينية الشعبوية، أخفق في استمالة العمال المياومين من طريق التزام سياسات تعيد توزيع العائدات على الأضعف. فـ «البديل من اجل ألمانيا» نيوليبرالي، وهو ابصر النور في ذروة ازمة اليورو. وفي وقت جذب «الجبهة الوطنية» إليه الطبقة العمالية من طريق الوعد بخفض سن التقاعد او زيادة الحد الأدنى للأجور، دعا «البديل...» الى إلغاء الضرائب على نقل الميراث والثروات والسرية المصرفية.

وخلاصة القول ان أفول «البديل ...» يظهر لأوروبا السياسية ان معالجة مشاغل الناخبين هي ترياق الغضب الشعبوي. ولكن ثمة حوادث قد تنعش «البديل...»، منها انهيار اتفاق اللاجئين مع تركيا على وقع تعاظم التوتر بين برلين وأنقرة، أو عجز شولتز عن استمالة مزيد من الناخبين أو فصل جديد من الأزمة اليونانية.

 

 

* مدير قسم السياسات الدولية في مؤسسة «فريديش إيبرت - ستفتونغ»، عن «فورين أفيرز» الأميركية، 10/3/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available