|   

النسخة: الورقية - دولي

تؤثر متغيرات كثيرة في عملية انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتلف مآل العملية هذه بالغموض، منها متغيرات رئيسية «معلومة مجهولة»، وهي: المفاوضات نفسها؛ وحوادث العالم الأوسع؛ الآثار الاقتصادية المترتبة على الاتفاق، مهما كان شكله. وفي المفاوضات يلوِّح الطرفان بمواقف لا تعرف اللين. فالاتحاد الأوروبي يطالب بريطانيا بدفع فواتيرها غير المسددة، أي بـ «تسوية طلاق» باهظة تبلغ 60 بليون يورو، وقد يرفض مناقشة اتفاق تجارة ما لم تدفع لندن. وردت بريطانيا على الطلب هذا رداً متصلباً، ويرجح أن تساهم مسألة التسوية المالية هذه في انهيار المفاوضات قبل أن تبدأ. ولكن يرجح كذلك أن الطرفين يخادعان وسيتراجعان. وفي حكومة المملكة المتحدة من يدرك أخطار انسحاب، «بريكزيت»، لا يترافق مع اتفاق مجمع عليه. ولا شك في أن الاتحاد الأوروبي سيتكبد كذلك خسائر. فبريطانيا هي ثالث قوة مصدرة إلى ألمانيا. ولكن، ولو غلبت روح المساومة على المفاوضات، قد لا يكون ممكناً، على المستوى التقني، الاتفاق على علاقات تجارية جديدة وإبرام اتفاق في عامين فحسب.

وحوادث العالم قد تغير سياق مفاوضات «بريكزيت». ففوز مارين لوبن، رئيسة «الجبهة الوطنية» المتطرفة، بالرئاسة الفرنسية، وهو فوز غير مرجح، يساهم بانزلاق الاتحاد الأوروبي إلى دوامة الاضطراب. وإذا وجه إيمانويل ماكرون الوسطي، دفة فرنسا، كان الاتحاد الأوروبي أكثر تشدداً في المفاوضات مع بريطانيا. وقد يزعزع توجه اسكتلندا نحو الاستقلال حكومة تيريزا ماي، شأن انكماش اقتصاد المملكة المتحدة. وقد يطعن انبعاث أزمة اليورو أو انهيار العلاقات مع تركيا في وحدة الجبهة الاوروبية وآصرتها. ومع وصول دونالد ترامب الى الرئاسة، يبدو السياق العالمي غامضاً وملتبساً. فالتزام سياسات حمائية في واشنطن أو اندلاع حرب في شبه الجزيرة الكورية، قد يهمشان مسألة البريكزيت. فتبدو ثانوية قياساً على حوادث جسيمة. فيمدد الاتحاد الأوروبي وبريطانيا الموعد النهائي للانسحاب، أو يعلقان البت فيه إلى أجل غير مسمى.

والمفاوضون (الاتحاد الأوروبي وبريطانيا) أنفسهم لا يعرفون نتائج قراراتهم في العالم. فإذا لم يبرم اتفاق تجاري جديد، وانسحبت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والتزمت قواعد منظمة التجارة العالمية، تكبدت خسائر جمة. فهي قد تخسر عدداً كبيراً من وظائف التصنيع مع فرض تعرفات على دخول سلعها الاتحاد الأوروبي. ويرجح أن يقوض دور الـ «سيتي» (مركز المال في لندن) مع تغيير الاتحاد الأوروبي الأنظمة المالية. وقد تهبط عائدات الضرائب، وتشح اليد العاملة في المملكة المتحدة مع تقييد حرية تنقل الأوروبيين. وأعلنت سلسلة مطاعم «آي مانجر» الواسعة الانتشار، أن واحداً فحسب من خمسين طالب وظيفة لديها، بريطاني. ويحتاج جهاز «الخدمة الصحية» إلى الأطباء الأوروبيين. وستخسر الجامعات طلاباً وأساتذة. ولكن نتائج الانسحاب من الاتحاد الأوروبي تعصى التوقع والتنبؤ، وقد تكون إيجابية. فالـ «سيتي» لم يتكبد خسائر حين رفض الانضمام إلى اليورو. وكبرى الجامعات البريطانية تستقطب،اليوم، ألمع الأكاديميين من أوروبا، وعلى وجه التحديد، من دول خارج الاتحاد.

 

 

* محلل، عن «فايننشل تايمز» البريطانية، 13/3/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available