|   

النسخة: الورقية - دولي

وقع خبر لقاء قيادات أركان جيوش تركيا وروسيا وأميركا في 7 الجاري في أنطاليا وقع مفاجأة على متابعي الشأن السوري والعالم أجمع. فهو لقاء غير مسبوق، وكثرت الأسئلة حول أجندة الاجتماع: هل اقتنعت روسيا وأميركا بأن عملية الرقة في سورية لا يمكن شنها من دون تعاون تركيا؟ وهل قررتا أخيراً التخلي عن الأكراد، وهل أدركت القوتان العظميان أهمية الدور التركي في سورية؟ وطرحت أسئلة كثيرة إثر حوادث وقعت أخيراً، منها دخول الجيش التركي إلى وسط مدينة الباب وطرد «داعش» من هناك، وإعلان الناطق باسم الحكومة التركية أن الجيش سيتحرك بعدها إلى منبج.

وفيما كان الرد على التصريحات التركية حول منبج يُنتظر من أميركا، الحليف الأقوى للأكراد منذ أزمة كوباني، جاء الرد من موسكو، التي أعلنت أن «قوات سورية الديموقراطية» ستنسحب من منبج بعد تسليم مواقعها للجيش السوري. وهذه رسالة تعلن روسيا بواسطتها دورها وحضورها، وتوجه فيتو روسياً، يضاف إلى نظيره الأميركي، على دخول تركيا إلى منبج. علماً أن عملية درع الفرات التركية في شمال سورية ما كانت لتبدأ من دون موافقة روسية. وجليّ أن موسكو لا تريد أن تترك الورقة الكردية في سورية للأميركيين وحدهم، وهي أثلجت قلوب الأكراد خلال اجتماع آستانة الأخير الشهر الماضي، واقتراحت مسودة دستور سوري ركنه حكم الأقاليم. وفي الوقت نفسه شن مركز القيادة المركزية الأميركية، CENTCOM، حملة علاقات عامة في القنوات والصحف الأميركية تمدح القوات الكردية في سورية، وتسعى الى التأثير في قرار الرئيس ترامب النهائي حول الحرب في سورية، قبل الإعلان عنه رسمياً.

وفي هذه الأجواء، عقد اجتماع أنطاليا بين القيادات العسكرية الثلاث، وهو شمل اجتماعاً ثلاثياً واجتماعات ثنائية بحثت في عملية تحرير الرقة من «داعش». ولم يخف ذلك، فاسم المدينة هذه كتب على عدد من الملفات التي كانت على طاولات المباحثات. وانتهى الاجتماع بعد يومين من دون صدور بيان مشترك، وسمعنا بعده حديث رئيس الوزراء التركي والرئيس أردوغان عن أهمية التنسيق العسكري بين الدول الثلاث من أجل تجنب أخطاء تؤدي إلى قتل جنود على الأرض. وبعد ذلك، وقعت حوادث مهمة، مثل تصريح الناطق باسم الخارجية الأميركية، مارك تونر، عن مواصلة واشنطن دعمها «قوات سورية الديموقراطية»، وتفهمها المخاوف التركية. وعلى رغم التفهم هذا، لا ترى أميركا أن قوات الحماية الكردية في سورية هي امتداد لقوات حزب «العمال الكردستاني» الإرهابي في تركيا، وترى أنهما فصيلان مختلفان. ثم أرسلت أميركا 400 جندي أميركي إلى منبج ومدتهم بصواريخ أرضية وعتاد كبير. جاء ذلك في وقت كانت مصادر عسكرية تركية تراهن على أن واشنطن لا بد وأن تطرق باب أنقرة في معركة الرقة، وهذه تقتضي سلاحاً ثقيلاً ودبابات ستحتاجها أميركا من تركيا. لكن الخطوة الأميركية الأخيرة في الرقة وجهت رسالة الى أنقرة مفادها «لا نحتاجكم في معركة الرقة». وظهرت إشارات أميركية إلى أن المنطقة الآمنة التي طالما طالبت تركيا بإقامتها في سورية، مكانها جنوب سورية وبحماية أردنية، وليس في الشمال السوري. والخطوة هذه تخرج تركيا بالكامل من المشهد والمعادلات. والأهم أن هذه الأمور أبرمت باتفاق روسي- أميركي. ووُزعت صور لجنود ومقاتلين روس في منبج يرتدون الزي العسكري الخاص بـ «قوات سورية الديموقراطية»، فهم سيقاتلون جنباً إلى جنب مع نظرائهم الأميركيين في معركة الرقة. ويشير القتال المشترك الى احتمال اتفاق أو تفاهم روسي - أميركي على تسليم الرقة إلى النظام السوري بعد تحريرها. لكن على رغم ذلك، تتمسك أنقرة بأمل المشاركة في المعركة. فالناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالن، قال إن موضوع معركة الرقة لم يحسم بَعد، وأن أنقرة تعرض خطتها الخاصة على الطرفين الروسي والأميركي. وعلى الأغلب، فإن كالن ما زال ينتظر إعلان الرئيس ترامب عن خطة تحرير الرقة، وقراره النهائي في مسألة الحرب على «داعش» وخطتها. وإذا كرر الرئيس الأميركي ما يقوله مسؤولوه العسكريون، أي أن معركة الرقة ستشن بالتعاون مع الأكراد، وأن الباب مفتوح لتركيا إذا أرادت المشاركة بالشروط الأميركية، ضاعت المكاسب التي حققتها تركيا من عملية درع الفرات. لذا، سربت الحكومة التركية قبل زيارة أردوغان موسكو، أن الزيارة هذه ستبحث في شراء أنقرة صواريخ «إس 400» الروسية المتطورة للضغط على واشنطن. فالتصريحات الرسمية قبل الزيارة وقبل لقاء قيادات الأركان في أنطاليا دارت فحسب على البحث في الملف السوري والتعاون الاقتصادي ولم تتطرق إلى مسألة شراء الصواريخ إلا في اللحظة الأخيرة. وعليه، وفي انتظار تصريح ترامب النهائي حول معركة الرقة، يبدو أن مستقبل السياسة التركية في سورية، وصراعها مع حزب «العمال الكردستاني»، هو على المحك.

 

 

* كاتب، عن «حرييات» التركية، 10/3/2017، إعداد يوسف الشريف

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة