|   

النسخة: الورقية - دولي

«لا نريدكم هنا. على عائلتك المغادرة غداً ظهراً على أبعد تقدير»، قال، قبيل منتصف الليل في أبريل (نيسان) 2016، الواقف على الباب الذي رفض مصافحة وسام، ابن الثالثة والعشرين. وحينها، مضى على إقامة عائلة وسام، والده فالح وأبنائه وكنائنه وأحفاده، ثلاثة أشهر في غرب بغداد. وقبل ستة أشهر، سيطر «داعش» على بلدته في محافظة الأنبار، وفجر منازل الفارين وأعدم كثراً. وأفلحت مئات العائلات في الفرار، وتبعثرت في أنحاء العراق. وشطر راجح منها انتهى إلى مخيمات لاجئين على خطوط الجبهات. واعتبرت عائلة فالح أنها محظوظة. فالرحال حطت بها في العاصمة العراقية، وهي معادية لـ«داعش». ولكنها سرعان ما أدركت أن منزلها الجديد ليس في منأى من النزاعات المولودة في ميادين المعارك القصية. ومع نشر «داعش» التطرف، ألقى جيرانهم الشيعة في بغداد اللائمة على السنّة كلهم، حتى لو كانوا ممن فقدوا بيوتهم وأحباءهم على يد التنظيم. ومع احتدام المعارك في تكريت، على بعد 120 ميلاً إلى الشمال، بدأ مزاج العاصمة يتغير. ففي السوق، بدأ الجيران يشيحون النظر عن فالح، ولا يلقون عليه التحية. وصار رجال الشرطة يدققون من كثب في أوراق العائلة على الحواجز، وصار بعض مقاتلي الميليشيات يجوبون الشوارع على متن مركبة «بيك آب»، وينظمون دوريات. وفكر فالح في الاتصال بالشرطة لإعلامها بأنه وعائلته تلقوا تهديداً بالرحيل، ولكنه لم يكن واثقاً إذا كانت هذه موضع ثقة. فرجال الميليشيات الشيعية أو الجيش العراقي يعتقلون سنّة في المدينة، فيُفقد أثرهم. وفي بعض الأوقات، كان رجال الشرطة يرافقون الميليشيات الشيعية في تجوالها. وشعر فالح بالكرب. فهو اقتلع عائلته من مسقط رأسها، وفر من «داعش»، ودفع آلاف الدولارات ثمن بلوغ بغداد. ولكنه اضطر إلى الطلب من زوجته عند الواحدة بعد منتصف الليل في تلك الليلة أن تبدأ التوضيب لمغادرة بغداد إلى الشمال.

وقابلتُ عدداً من السنّة المتحدرين من غرب العراق للوقوف على آراء الطائفة التي تعيش في أرض «الخلافة» الداعشية، في الحرب على التنظيم هذا. فالنظرة الغربية إلى حكم «داعش» تُجمع على أن بربرية الحرب والأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط هي واحدة، على رغم أن حكم «داعش» أشد عنفاً. فاختلاف أنظمة المنطقة عن «داعش» ليس اختلافاً نوعياً بل كمياً. ولكن العائلات السنية ترى خلاف ذلك. فهي وجدت نفسها عالقة بين سندان «داعش» من جهة ومطرقة قوات حلفاء أميركا، أي الحكومة العراقية وجيشها والميليشيات الشيعية، من جهة أخرى. ويرى السنّة أن عنف «داعش» هو من طينة عنف من يكافحون التنظيم.

ويتحدر فالح وعائلته من الزاوية على ضفة الفرات في محافظة الأنبار الشرقية. وسكان البلدة هذه جلّهم من السنّة، وينتمون إلى قبيلة البونمر التي شاب التوتر علاقاتها بنظام صدام حسين. ففي السبعينات، أُعدم جنرالان من قبيلة البونمر، إثر محاولة انقلاب. وفي 1994، اعتقل جنرال من قبيلة أخرى في الأنبار. وحين قصد شيوخ قبليون قصر صدام ليطالبوا بالإفراج عنه، وافق الديكتاتور. ولكنه سلمهم إياه في ربيع 1995 جثة مقطعة إرباً. فانتفضت قبيلته وبعض رجال البونمر. وقمع صدام الانتفاضة هذه، وأوصد أبواب الترقيات في المؤسسة العسكرية في وجه أبناء القبيلتين. ولم يسع جنود في أدنى سلم الرتب مثل فالح وقريبه أبو عمار الترفع في مراتب الجيش، فتركا الجيش. وانصرفا إلى زراعة القمح والشعير في أرض يملكانها على ضفة الفرات إلى أن أحكم طوق عقوبات الأمم المتحدة على العراق. فبدأ فالح يعمل في قيادة سيارة أجرة في هيت، وأبو عمار في صيد السمك. وحين اجتاحت أميركا العراق، تفاءل فالح وابن عمه، واعتقدا بأنها ستحوِّل بلدهما إلى طوكيو جديدة. ولكن سرعان ما انقلب تفاؤلهما إلى غضب من رعاية الأميركيين اجتثاث البعث والغارات الليلية والتعذيب والإهانة. ولكن قبيلة البونمر استساغت غض النظر عن تجاوزات الأميركيين، فهي لطالما أقصيت في عهد سلطة «البعث».

وصارت بلدات مثل الزاوية ملاذات مستقرة في بحر من التمرد. وأغدقت السلطة الأميركية على الزاوية بعقود المقاولات والبناء، فاغتنى شيوخ القبيلة، وراكموا ثروات في وقت لم تقطف الجماعات والقبائل الأخرى ثمار الانفتاح. وساهمت القوات الأميركية الخاصة في إنشاء سلك شرطة مؤلف، في شطر راجح منه، من أبناء البونمر، وسعت إلى تعيين شيوخ القبيلة في مناصب بارزة. والتحق فالح وأبو عمار بالشرطة، وسار المراهقون من أبنائهما على خطاهما. وفي 2007، صار عائد عائلة فالح الشهري 1200 دولار، فبنى منزلاً جديداً في جوار بيت الطفولة، مع غرف فسيحة لأولاده الذين بدأوا بالزواج.

ولكن ترجيح كفة قبيلة دون غيرها ولد شقاقاً وشرخاً. فسكان هيت بدأوا ينظرون الى قبيلة البونمر، ومعظم ابنائها يقيم في فلل، على انها طبقة جائرة. وكانت الشرطة تسيء معاملة السكان أو تعتقل عدداً منهم بتهم واهية. وبدأت نيران حرب قبلية تعس، وبدأ تنظيم «القاعدة في العراق» وحلفائه من القبائل يغتال شيوخ البونمر. وأصدقاء العمر والجيران انقلبوا على بعضهم، وعمت الفوضى.

ونظر كثر من سنّة الابنار بعين الاستياء الى التدخل الاميركي الذي لم تقطف ثماره غير قبائل دون غيرها، من جهة، والذي سلّم السلطة إلى حكومة يهيمن عليها الشيعة، من جهة أخرى. وإثر انسحاب القوات الاميركية في كانون الأول (ديسمبر) 2011، سعى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق» إلى تعميق الانقسامات من طريق حملة عنف استهدفت المدنيين الشيعة وشيوخ القبائل. وردت الحكومة العراقية بغارات وحملة اعتقالات في أوساط أبرياء من السنّة وتذرعت بقانون مكافحة الإرهاب. وسجنت آلافاً وفُقد أثر كثر. وفي كانون الأول 2012، انفجرت المناطق السنّية في حركة احتجاج واسعة، وانتشرت الخيم وقطعت الطرق السريعة. وبعض المتظاهرين دعا إلى إصلاح قوانين مكافحة الإرهاب، وبعض آخر نادى بمناطق فيديرالية سنية، وغيرهم دعا إلى إطاحة الحكومة. وكانت التظاهرات سلمية، ولكنها انزلقت إلى نزاع مسلح على وقع القمع الحكومي العنيف. والانعطاف وقع في نيسان 2013، حين فتحت قوات الأمن النار على المتظاهرين السنّة، وأردت نحو 50 منهم وسقط أكثر من مئة جريح. وفي كانون الأول 2014، حين أغارت قوات الأمن على مخيم الرمادي، كانت حركة التمرد بلغت أوجّها. وفي بلدات كثيرة، دخلت القبائل السنية في حرب مع الحكومة العراقية. فسارع «داعش» إلى اقتناص الفرصة السانحة. فبرز تحالف بين مجموعات متمردة والقبائل و«داعش». ولكن التظيم سارع إلى قتل حلفائه للهيمنة على الحركة والإمساك بمقاليدها، على وقع تعاظم القمع الحكومي في الفلوجة والقصف العشوائي الذي أودى بمئات المدنيين. فتداعى التحالف السنّي، واضطر بعض شيوخ القبائل إلى الفرار، وبعض آخر إلى الالتحاق بـ«داعش» طلباً للحماية. وفي تربة التشرذم والانقسام - قبائل سنية تحارب حكومة يهيمن عليها الشيعة، وقبائل سنية منقسمة - بدأ «داعش» يقتضم أجزاء واسعة من غرب العراق. وفي 2014، سيطر على الفلوجة، وبعد أشهر على الموصل، وفي تشرين الأول (أوكتوبر) بلغ ابواب هيت.

وكان فالح وأبو عمار يرتادان عملهما في مركز الشرطة يومياً، ويراقبان والرعب يعتريهما من سقوط الحقول في أيدي «داعش». وكان غضب السكان على قوات الأمن العراقية وقبيلة البونمر يتعاظم ويغلي. «وكان الناس ينظرون إلينا وكأننا محتلون». وفي صباح الثاني من تشرين الأول 2014، كان دوام فالح الليلي يشارف على الانتهاء في مقر الشرطة خارج الزاوية، وبدأ هاتفه يرن. ووردت تقارير من هيت، على بعد أميال قليلة، تشير إلى انفجارات ضخمة على مدخل المدينة الجنوبي. وفي الأسابيع السابقة، احتل «داعش» قرى جنوب المدينة هذه، وأطلق مقاتلوه القذائف على مقر الشرطة في وسط هيت. وأدرك فالح أن ما يحدث لا يقتصر على قصف فحسب. وعند الظهر، وردت تقارير عن انفجار يصم الآذان، وعند السادسة والنصف ورده أن سبع شاحنات «داعشية» تجاوزت حاجز المدينة الرئيسي. فاتصل فالح بأبو عمار الذي كان خارج الخدمة فحملا أسلحتهما وانضما إلى غيرهما من رجال الشرطة للحؤول دون سقوط هيت. وحين وصل أبو عمار، وجد أن انتحارياً «داعشياً» فجر نفسه بناقلة نفط، وأطاح الدفاعات الجنوبية في المدينة. فقاد مركبته في طرق خلفية إلى أن بلغ مقر الشرطة الرئيسي. وكان المقر يتعرض لهجوم كبير: قنص من سطوح المتاجر المجاورة ومحطة الكهرباء، وقنابل يدوية يلقيها ركاب دراجات على المركز. فبدأت الشرطة تخلي مواقعها وحواجزها والمقر. وكانت التقارير تشير إلى إطلاق نار في أحياء المدينة كلها. فأدرك أبو عمار أن سكان البلدة يساعدون «داعش»، كما لو أن التنظيم ألقى عود ثقاب على بئر نفط، فانتفض الناس وتمردوا. واتصل فالح الذي كان ينسق أعمال الشرطة اللوجيستية في صد الهجوم، بالجيش وطلب الدعم والمساعدة. وعند الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم، وصلت جثث رجال شرطة إلى مستشفى هيت. واتصل شيوخ البونمر بأصدقاء في الحكومة العراقية طلباً للدعم، ولكنهم لم يلقوا غير وعود فضفاضة وواهية. وسيطر «داعش» على الطريق السريع المنطلق من الرمادي وقطع خطوط الإمداد. وبدأت ذخيرة رجال الشرطة في مقرهم في هيت تنفد. وفي مكتبه في الزاوية، استمع فالح إلى ترددات راديو الشرطة، فسمع نداءات يائسة تطلب الذخيرة، وتبتهل إلى القدير وتطلب دعمه ونصره. وانقطع الاتصال بأبو عمار، وشعر بالذعر. وعلت أصوات الصراخ في الراديو، وبعد ظهر ذلك اليوم، سكتت الأصوات المنبثقة من جهاز اللاسلكي، «التوكي- واكي». ومن باب مقر الشرطة الخلفي، تسلل أبو عمار وغيره، وتجمعوا أمام ضفة الفرات في شمال المدينة. وتجمع زملاء لهم على الضفة المقابلة، واجتازوا النهر ليقلوهم إلى ضفتهم. وفي غرفة الاستقبال، التقى أبو عمار كثراً من البونمر. ولم يكن أمام الشرطة غير الانسحاب في غياب دعم الجيش العراقي. وسعى 150 من رجال البونمر والشرطة إلى صد تقدم «داعش»، ولكن في غياب الدعم، قرروا الرحيل. وما حصل بعدها ملتبس. وذاعت شائعات مفادها أن شيوخاً من البونمر أبرموا اتفاقاً مع «داعش»، وسلموه الزاوية. وقال عدد من شيوخ القبيلة إن بعضهم بايع المحتلين. وإذا كانت هذه الشائعات في محلها، ثبت أن جناحاً من القبيلة هذه التي كانت أبرز حلفاء أميركا في الأنبار، انضم إلى «داعش».

وكانت وحدات «الحشد الشعبي» تتكاثر، على وقع تمدد «داعش». وبعد أن وضبت أم سلام ما ستحمله عائلتها في رحلة النزوح - بعض الثياب وصوراً لأطفالها يلعبون الكرة - تجاوزت الساعة الثالثة فجراً. فخلدت إلى النوم، ثم استيقظت لتجد رجلاً يقف فوقها. فنادت زوجها. وحين استيقظ وجه إليه الرجل سلاحاً. ووثق رجلان انضما إلى الأول يدي فالح. وحين دخل الرجل الرابع غرفة الجلوس لوحت له أم سلام ببطاقة هوية زوجها في الشرطة العراقية الفيديرالية. فأجابها الرجل «انتم جالسون هنا بينما أولادنا يموتون في الأنبار». لم يتسن لها إبلاغهم بأن ابنها في الانبار يقاتل «داعش»، وقال لها الرجل «أنتم «داعشيون»، أنتم ارهابيون». وجمع الدخلاء الرجال والشبان ونقلوهم في سيارة، وما إن ترجلوا أمطرهم رجال الميليشيات بالرصاص في ملعب مدرسة. ورأى فالح وسام يسقط وجمال وأبناءه وسمير ثم لف الظلام كل شيء، واستيقظ في المستشفى على صوت الآلات والأنابيب. ووجد التلاميذ 7 جثامين مسجاة في ملعب المدرسة وفالح المصاب.

 

 

* صحافي، كاتب، عن «ذي أتلانتيك» الاميركية، 5/2016، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available