|   

النسخة: الورقية - دولي

اتخذت الحداثة المعولمة صورة التحديث. وفي هذه الحال طرأ الجديد المحدث على الشعوب من خارج، وافتقر إلى جذور سابقة في تاريخها، وفي تربة هذا التاريخ. فتصور في صورة طرائق صنع وفكر لا خيرة للشعوب في القبول بها أو رفضها، وما عليها إلا التمكن منها ومن استعمالها في ظروف وملابسات يختلف قسرها وتعنتها. فلم يكن الداعي إلى تبني الحداثة داخلياً ذاتياً وإرادياً، بل ثمرة عوامل خارجية. ولا شك في أن المثال المجرد الذي تقدم رسمه لا يلم ولا يحيط بعدد كبير من الأحوال والأوضاع الوسيطة (بين مثال الحداثة الذاتية ومثالها الطارئ من خارج). ومن الأوضاع والأحوال الوسيطة أميركا اللاتينية حيث أدى الاستيطان الأوروبي، على خلاف صنوه في أميركا الشمالية، إلى حداثة مبتورة وفجة، أو إلى حداثة متضاربة ومتنازعة.

والحق يقال أن سمة بارزة من سمات العولمة هي تعميم هذا المثال المجرد والفج. فهو لا يقتصر على موضع من دون آخر، بل يعم الكرة الأرضية. ويرافق عموميته تفريق جاد بين مناطق تسودها حداثة ناضجة ومزدهرة وبين أخرى ينبغي تحديثها، وتستوي في اضطرارها إلى اللحاق بركب الأولى. والقطب الثالث، إلى القطب الأوروبي والقطب الأميركي الشمالي (الولايات المتحدة)، قائم ومشهود منذ بدايات الحداثة. فأحد وجوه الحداثة هو إخراج بلدان الكوكب من انكفائها على ذواتها وقوقعتها، بالغاً ما بلغت هذه القوقعة من الاتساع. وليس كريستوف كولومبوس وفاسكو دي غاما، شأن ماكيافيلي ولوثر، بغرباء عن هذه السيرورة. وعلى رغم التوسع الاستعماري الأوروبي منذ القرن السادس عشر(م)، لم تستو الظاهرة على صورة خطة ترمي عمداً إلى نشر الحداثة الأوروبية إلا في القرن التاسع عشر، وبواسطة الوسائل التقنية التي أثمرها عصر الصناعة.

وأنجز نشر الحداثة في وقتين أو مرحلتين، نظير تبلور ما يستحق اسم «العولمة» فعلاً في دورين أو حقبتين، ولا يقتصر على العلاقات الاقتصادية الكونية. ويتناول التبلور إنشاء العالم واحداً ومتماسكاً، على مثال لم يبلغه إخراج بلدان الأرض وأممها، في القرن السادس عشر، من انكفائها. وينبغي التشديد على الفرق الحاد بين الوقتين والحقبتين، فهو وسيلة لا غنى عنها في سبيل إبراز خصوصية عصر العولمة الراهن وتجنب الوقوع في شرك الشبه الذي يتعلق المنطق الاقتصادي الخالص بحباله.

والحقبة الأولى تصح تسميتها بالعولمة الإمبريالية، وهي، بين 1880 والحرب الكبرى (الأولى)، ذروة السيطرة الأوروبية، والتملك الاستعماري للعالم عن يد بريطانيا العظمى وفرنسا. وذريعة التملك اقتصادية في المرتبة الأولى، غير أن أدواته ومسوغاته العميقة سياسية فعلاً. والسيطرة لم تكن ذريعة بل كانت ضمناً غاية في (حد) ذاتها. وجددت البنيان والشكل الامبراطوريين في عصر الأمم (- الدول). وعلى هذا، أي في ضوء البنيان والشكل الامبراطوريين، لم يفقد مفهوم «الإمبريالية» دلالته أو انطباقه على الوقائع التي يؤدي وصفها.

ويعود ابتداء العولمة الثانية إلى انفتاح الاقتصادات على بعضها غداة 1945، ونهاية الحرب الثانية. ومحركها توسع دائرة التبادل الدولية، ولذا فهي عولمة تجارية، على معاني «التجارة» الكثيرة. والعلامة الفارقة عليها، وعلى سمتها العالمية القاطعة، هي دخول اليابان حلقة القوى الصناعية المتصدرة في أوائل سبعينات القرن العشرين. مذ ذاك، لم ينفك عدد الأنداد والأقران اللاحقين يزداد، تارة أولى في أعقاب تصفية الاستعمار، وتارة ثانية في أعقاب تصفية الشيوعية. وتوجت منظمة التجارة العالمية، في 1995، حركة اللحاق والانتساب المزدوجة والعامة.

وتولت قيادة العولمة التجارية أطراف أو شركات خاصة، من دون الدول، وساهمت فيها المجتمعات المدنية مساهمة راجحة. وهي قصرت همها على علاقات المصلحة بين الأقران، وتفادت بطبعها النظر إلى السياسة، والانشغال بها أو بالنزعات الأيديولوجية المتفرعة عنها. واتفق غلبة الشاغل المصلحي والتجاري مع تعاظم مكانة الأيديولوجية الليبرالية الجديدة. فالعولمة التجارية تعرِّف برنامجها في صورة إنجاز ما تعد به الأيديولوجية الليبرالية الجديدة، وتمثيل على صدق هذه الوعود. ويرى دعاتها المحمومون والغلاة أنها تستبق انحلال الأبنية والكيانات السياسية، وتبددها في مياه السوق الكونية الشاملة. وتؤذن، مع انتصار الاقتصاد وتصدره الحياة الاجتماعية، بأمة إنسانية عامة تختصر روابطها على تلك التي يتعاقد عليها أفراد أحرار وينيطون بها منافعهم المتبادلة.

ولكن العولمة التجارية، وراء الوجه الليبرالي الذي يدعو إلى الانفتاح الاقتصادي وإلى تشابك الاقتصادات وتداخلها، تنهض فعلاً على ركن سياسي هو نشر شكل الدولة – الأمة وتعميمه. فهذا الشكل أمسى المعيار الذي يقوم برسم الجغرافيا الرمزية الجديدة. وعموميته المتحدرة من تصفية الاستعمار وطيه، ومما ينبغي حمله على البنية الإمبريالية والامبراطورية، هي محرك دينامية العولمة الجديدة والنافخة في جذوتها، وهي ما يصبغ العولمة بصبغة الحداثة. والتشابك المالي وتعاظم المبادلات ليسا، في هذه الحال، إلا من القرائن البارزة على التغير العميق الذي حل بأبنية الكيان (الاجتماعي) المشترك. فحين خطت العولمة الأولى خطواتها انطلاقاً من المركز، وبقيت جراء ذلك على سطح المجتمعات، تخطو العولمة الثانية انطلاقاً من ضواحي المجتمعات وتتملك أنظمة الحداثة وقلب المجتمعات، وتتوسع وتتمدد أفقياً وعمودياً معاً.

وعلى خلاف تعامي الأوليغارشيات الغربية عن الأمر، ينبغي الإقرار بأن العولمة الثانية، التجارية والسياسية، لا تقف عند مصالح اقتصادية، بل تتوسل بها إلى بلوغ غايات سياسية نواتها تماسك الهويات. والإثراء لا يكتفي بإتاحة فرصة الرخاء الفردي، فهو ذريعة إلى القوة والسلطان الجماعيين، وإلى الانخراط في كتلة الدول التي يحسب حسابها وتسيِّر مصائرها بإرادتها. فالغرض من النمو والناتج هو إيجاب هوية ثقافية وحضارية تأذت حتماً من الغطس في مياه العالم العريض. والانغماس في هذه المسيرة يؤدي لا محالة إلى استحضار عوامل الحداثة.

والأرجح أن تنجم عن مسألة الهوية عقد ومنازعات كثيرة متوقعة. فنحن لا نزال اليوم في المرحلة الهانئة من سيرورة التحديث. وفي هذه المرحلة تلتقي الرغبات الشخصية، والتطلعات الوطنية، وشواغل الهوية، من غير تنافر ولا تدافع. وليس ثمة ما يضمن دوام هذه الحال. فالاستلحاق الاقتصادي، وهو ما يتستر به الانخراط في الحداثة، ينطوي على خدعة. وهو يوهم بإمكان السيطرة على مقاليد الفاعلية المادية، واستيعاب الفكر العلمي، من غير التخلي عن مقومات «الأصالة». وهذا الإيهام من أمضى أسلحة الحداثة البرانية وأعصاها على المقاومة. وذلك أن النظام الاجتماعي– التاريخي الذي يحكم بقيام المجتمعات بنفسها وتخليها عن حمل أحوالها على غيرٍ مفارق، هذا النظام وإن لم يكن كتلة مرصوصة، فهو بنيان متماسك ويربط بين عناصر يكاد يستقل العنصر منها بنفسه، ولكن يستحيل الفصل بينها وفكها تماماً.

وعلى هذا، يجر نمو أحد العناصر العناصر الأخرى. ولا يلبث وهم الانكفاء على الذات أن يتبدد، ويغلب منطق الكل على الأجزاء والعناصر. فيتحقق أن إرادة الاقتصاد، على المثال الرأسمالي، تقتضي صحبة مقومات فاعليتها البنيوية، وهي: المجتمع التاريخي الذي يقوم من الإنتاج الرأسمالي مقام الشرط والبؤرة، والفرد الحقوقي (صاحب الحقوق) الفاعل والمبادر، والنظام السياسي الذي يرسم حيزه المكاني وإطاره الزمني. وهذه المقومات تنزع حتماً إلى تفتيت الوحدة المتناغمة والمؤتلفة من تحسن مستويات المعيشة، والاعتراف الدولي بالمكانة المستجدة، وتجديد الثقة بالهوية الثقافية والحضارية.

فالحقيقة هي أن السيطرة على مقومات النظام الاجتماعي – التاريخي المستقل ليست في مستطاع أي ثقافة من الثقافات التي تتعرض للعولمة الجديدة. فهذه المقومات محايدة شكلاً، ولكنها تنطوي على تعريف صارم لأدوار من يأخذون بهذه المقومات ويرسون على معاييرها أفعالهم، وللمجتمع الذي ينخرطون في علاقاته وأبنيته. ومعنى هذه الملاحظة أن مشكلات الهوية الناجمة عن العولمة لا تزال في طورها الأول. وهي تصيب اليوم بلدان المركز، وعلى الأخص الحواضر الأوروبية والإمبريالية القديمة. وهذه البلدان هي الأكثر تورطاً في العولمة، وإيغالاً في شعابها. ولكن المشكلات والأزمات لن تعتم أن تلحق بكل أطراف العولمة الجديدة والمشاركين فيها. فالخلخلة نتيجة ملازمة للتحديث، وتترتب لا محالة على مراحل الحداثة المعولمة وزمن الاضطرابات الذي ينتظرنا.

ويؤدي تزامن جموح سيرورة الحداثة وتوسعها الكوني إلى التباس جغرافي وتاريخي. وتبديد الالتباس يقتضي التنبيه إلى أن القارة الأوروبية القديمة هي قطب رحى تعريف أبنية الاجتماع المشترك تعريفاً جديداً. ومكانة أوروبا المركزية التي عادت إليها ماضياً بالصدارة ومقاليدها تعود عليها اليوم بدور «رجل (العولمة) المريض». ومرضها هو عرض اضطلاعها بدور ريادي وطليعي يستكشف موارد الحلول المتاحة والكامنة.

 

 

* مؤرخ وفيلسوف، مدير بحوث في مدرسة الدراسات العليا والعلوم الاجتماعية الفرنسية، عن كتابه الاخير «العالم الجديد»، 2017، دار غاليمار، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available