|   

النسخة: الورقية - دولي

المأساة الرهيبة التي لحقت بالسوريين يكاد لا يوجد لها مثيل. مدن بكاملها، تقريباً، دمرت، ولقي الألوف حتفهم وتشرد الملايين في أربع جهات الكوكب الذي نعيش عليه. أحياء سويت بالأرض بالبراميل المتفجرة ومات الناس بكل صنوف السلاح بما فيه الأسلحة الكيماوية، سواء على يد القوات الحكومية وحلفائها من الروس والإيرانيين والميليشيات الحزبية من لبنان والعراق، أو على يد الفصائل المسلحة التي جاءت من كل حدب وصوب لتقاتل الحكومة. وما زالت الدماء تسيل ولا تلوح في الأفق نهاية قريبة.

في هذه الأجواء، قرأت مقالاً لمثقف سوري معارض بارز، كان قضى هو نفسه سنين طويلة في السجون، عبّر فيه عن حزنه.

من حقه أن يعبر عن حزنه، فما حصل ويحصل لبلده يفوق كل تصور. سيقول قائل. ولكن مهلاً. المثقف السوري لم يفصح عن ألمه بسبب الدمار الذي لحق ببلده ولا بسبب الأعداد المهولة من القتلى والجرحى والمشردين، ولا بسبب المناظر المؤلمة للأطفال الذين ما برحت الأيدي تنتشلهم من تحت الأنقاض أو من مياه البحار التي يغرقون فيها. هو تألم ليس لأن الحرب في سورية أفنت الأعمار وأهلكت البشر والحجر، بل لأن كل ذلك أدى إلى أن تكف القضية الفلسطينية عن أن تكون قضية مركزية.

الميزان الذي استخدمه المثقف السوري المعارض لمعاينة الكارثة التي حلت بالسوريين لم يكن ميزان عذاب السوريين وألمهم وفداحة ما حل بهم، بل ميزاناً خاصاً، خيالياً، يستطيع المرء بواسطته التعرف إلى طول وعرض القضية الفلسطينية ومقدار بعدها أو قربها من «المركزية». إنه بارومتر عجيب، لا علاقة له بالناس الحقيقيين من لحم ودم، له مهمة وحيدة، فوق بشرية، هي التأكد مما إذا كانت عذابات الناس أخلت بـ «الستاتس كو» القابع في أذهاننا عن قضية ترسخت في وعينا، ولا وعينا، بوصفها القضية التي تعلو كل شأن آخر: القضية الفلسطينية.

وبعيداً من أي ميل إلى السخرية، لا سيما في السياق التراجيدي للفاجعة السورية، أستطيع أن أقول إن ميزان المثقف يشبه ذلك الذي تستعمله بعض النساء للتأكد من أن وزنهن لم يتجاوز الحد الذي من شأنه أن يجعلهن يفقدن الرشاقة والقوام الجميل. تبعاً لهذا الميزان، فإن القضية الفلسطينية فقدت وزنها ورشاقتها، التي اشتهرت بها في أعيننا، وباتت جسداً عادياً مثل كل الأجساد. ولكن المثقف السوري ليس وحيداً في حمل هذا الهاجس. فقد سبقه الكثير من المثقفين العرب والمسلمين في هذا الباب. وهم عبّروا، وما زالوا يعبّرون، عن ألمهم في كل مأساة تحل ببلدان العرب والمسلمين لأن ذلك يؤدي إلى الابتعاد عن القضية المركزية. الكوارث الرهيبة التي حدثت وتحدث في العراق واليمن وليبيا والفظائع التي ارتكبها ويرتكبها «داعش» وسواه، مستهجنة لأنها تبعدنا عن القضية المركزية.

كان على العراقيين أن يداروا موتهم ويخفوا ألمهم وكان على الليبيين واليمنيين أن يكفوا عن إحصاء قتلاهم، وكان على جحافل الجائعين المرعوبين، المحاصرين في مخيم اليرموك الدمشقي، الذين نقلت وكالات الأنباء صورتهم الأيقونية الشبيهة بصورة يوم القيامة، أن يطأطئوا رؤوسهم خجلاً، وكان على الطفل الحلبي الذي انتشلوه من تحت حطام بيته، بعد أن مات أبوه وأمه وإخوته، أن يعنف نفسه ويخبئ صرخته. لماذا؟ لأن هذا يبعدنا عن القضية المركزية.

كان على الجميع أن يعاتبوا أنفسهم لأنهم، بأشلائهم الممزقة ودمائهم المسفوحة وجروحهم وأنينهم وعويلهم، كانوا يقترفون إثماً فظيعاً إذ يشتتون انتباهنا عن القضية المركزية.

ولكن ماذا يعني بالفعل أن القضية الفلسطينية قضية مركزية؟ من الذي قرر ذلك؟ وهي مركزية لمن وإزاء ماذا؟ مقارنة بأية قضية أو قضايا من تلك التي تشغل الناس؟

في سنوات دراستي الجامعية شاركت، مع ثلة من الطلبة الأكراد، في تأليف مجموعة تروتسكية مهمتها، بالطبع، السعي لإنشاء دولة كردستانية اشتراكية، على نهج الأممية الرابعة. وكانت أذهاننا وأفكارنا ومشاعرنا تلاحق نضالات رفاقنا الأمميين في كل ركن من العالم. وفي لحظة قررنا المشاركة في النضالات التحررية للشعوب. وهكذا وجدت نفسي في جنوب لبنان ملتحقاً بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. لم نفكر في الذهاب إلى كردستان العراق أو تركيا أو إيران أو سورية، على رغم أننا كنا نعمل، كما يفترض، من أجل كردستان. بالنسبة لنا، نحن أيضاً، كانت القضية الفلسطينية قضية مركزية. وهي كانت، وما زالت، كذلك في نظر اليسار العالمي كله.

ولكن لماذا؟ ما هو المعيار الذي على أساسه تكون القضية الفلسطينية قضية مركزية؟

هل لأنها حركة تحرر قومي؟ ولكن هناك حركات تحرر قومية كثيرة غيرها في أنحاء مختلفة من العالم. في منطقة الشرق الأوسط نفسها هناك شعوب كثيرة محرومة من حقها في تقرير مصيرها: الأكراد والسريان والآشوريون والأهوازيون والأمازيغ...

هل لأنها حركة تحررية دينية؟ هل لأن معاناة الفلسطينيين كبيرة؟ أكبر مجزرة ارتكبت بحق الفلسطينيين وتتحدث عنها الكتب والأفلام والسجلات والوثائق هي مجزرة دير ياسين حين قُتل ما يقارب مئتي شخص (بالمناسبة اعتذر الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين عن المجزرة). فماذا نقول عن المجازر التي ارتكبت بحق الأرمن والسريان والآشوريين والأكراد؟ وماذا عن معاناة السوريين والعراقيين واليمنيين والليبيين؟ ماذا عن معاناة الإيزيديين والمسيحيين، الذين تمّ، ويتمّ، ذبحهم، من دون أن يلهج أحد بكلمة؟ هل يمكن للمثقف السوري المعارض أن يشرح لنا الأمر؟

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available