|   

النسخة: الورقية - دولي

تُفهم الحداثة عادة على أحد وجهين: الأول بسيط ومباشر يختزلها زمنياً، وفق شارل بودلير، في القرن الممتد بين منتصف القرنين التاسع عشر والعشرين، باعتبارها تلك الحساسية الجمالية الجديدة التي ذاعت آنذاك بين التيارات الأدبية والمذاهب الفنية. والثاني مركّب وجدلي، يؤكد امتدادها في عصور كالنهضة والإصلاح الديني والتنوير والثورات الصناعية / التكنولوجية، والسياسية / الديموقراطية، باعتبارها جميعاً مراحل تصاعدية في التجربة نفسها، تحمل قيمها العليا وغاياتها الأساسية.

في وجهها الأول تبقى الحداثة ذائقة غربية وإن انعكست على ضفاف الشرق: أدناه وأوسطه وأقصاه. أما في وجهها الثاني فتعكس مسيرة الحضارة الإنسانية، حيث تبلورت باضطراد المفاهيم التأسيسية الأكثر أساسية كالعقلنة والأنسنة والعلمنة. نعم نضجت هذه المفاهيم واتخذت مسمياتها داخل التاريخ الأوروبي، عبر القرون الثلاثة الأخيرة، لكنها تبقى انعكاساً لخبرة إنسانية مشتركة، وهو ما يمكن مقاربته إذا حررنا تلك المفاهيم من قوالبها النهائية، كشفاً عن تاريخيتها، حتى لو تحت مسميات مختلفة كانت أقل تبلوراً في حقب سابقة، على رغم استمرارية مضامينها الأساسية الحاملة لقيم كونية وسنن مجتمعية مصاحبة لأي نهضة بشرية، من قبيل التأكيد المتزايد على فعالية العقل الإنساني وحرية الإرادة الإنسانية أو الانشغال الإيجابي بالعالم، إذ لا يمكن تصور نهضة حضارية لدى جماعة بشرية تجمد عقلها، أو اعتقلت إرادتها، أو فقدت اهتمامها بالواقع الدنيوي، وانشغلت فقط بالملكوت الأخروي.

إن المفاهيم الكبرى لا يمكن أن تظل ساكنة وهي تخوض في غمار التاريخ، ولكنها لا تفقد هويتها تماماً أثناء الارتحال الشاق داخل ثنايا التاريخ، إذ تحتفظ بجوهرها الأول ثم تضيف إليه ما أمكن لحامليها الجدد أن يضيفوا، أو ما تيسر لمستقبليها من تعديلات فيها. تلك الإضافات والتعديلات، تخضع لمنطق التاريخ نفسه وحركة تطوره، ففي حركة سيره الصاعدة يمكن بعض المفاهيم أن تتبلور لتسمى جواهر غير مسماة، ولمفاهيم أخرى أن تتعدل لتعبر عن جواهر تم تطويرها، على نحو يجعلها أكثر حضوراً وقدرة على التجسد في زمانها، ولمفاهيم أخرى أن تندثر لأن جوهر ما كانت تعبر عنه قد تحلل وتجاوزه الزمن، وهذا ما نفهمه من حركة التقدم التاريخي، ومنطق التطور العقلي.

في هذا السياق نجد للعقلانية جذوراً ضاربة في الحضارة العربية الكلاسيكية! ولكنها بالتأكيد ليست العقلانية الوضعية، المتمحورة حول المنهج التجريبي، بل عقلانية كونية ترى الطبيعة في سياق المهمة الاسخلافية للإنسان، يستدل من نظامها الكلي واتساقها الشمولي على وحدانية صانعها، ما منحه أفقاً عقلانياً تدبرياً، صحيح أنه ظل تحت الخيمة الإلهية، ولم يبلغ أفقاً شكياً، ولكنه كان الأرقى في زمانه، وإلا فعلام استندت النهضة العربية الأولى؟ فالخرافة لا تنتج حضارة. كما نجد نزعة إنسانية عربية، ولكنها قطعاً لا تماثل نظيرتها الغربية التي بلغت في اللحظة التنويرية ذروة تأكيدها على المركزية الإنسانية، بل صيغة أولية منه لعلها كانت فاعلة في تحرير الإرادة من الموروث التقليدي الجاهلي القائم على الروح القبلية والنزعة الجبرية، وهي صيغة تتجلى في النص القرآني مؤكدة على نمط من النزعة الإنسانية يُعلي من الفردية الروحية في اكتساب العقيدة وممارسة العبادة. بل أيضاً على نمط من الحرية الأنطولوجية يتمتع به الإنسان كقطب ثانٍ للوجود، في مواجهة الله، القطب الأول له، وفق نزعة قدرية تؤكد القدرة على الاختيار يمكن استشفافها من النص القرآني ومن علم الكلام المعتزلي، ناهيك بالطبع عن الفلسفة الرشدية.

كما نجد صورة ما للعلمانية السياسية في التجربة الإسلامية، تتجاوب مع النص القرآني في رفض الكهانة ومن ثم الوصاية الروحية على الضمير الإنساني، ولكنها قطعاً ليست تلك العلمانية الحديثة الموشاة بالحس الليبرالي والديموقراطية السياسية، بل علمانية مستبدة تحكمت فيها صراعات السلطة والنزق إلى بناء مجد العروش الحاكمة أو حتى الانتصار لأفكار قومية أو عرقية، ثقافوية نعم ولكن ليست مقدسة ولا تدعي حقاً إلهياً في الحكم. لقد ظلت الحرية السياسية في مواجهة السلطة غير قائمة قطعاً في المجال العربي، لكن علينا أن نتذكر، ما دمنا نمارس النقد التاريخي، أن مفهوم الحرية بالمعنى السياسي لم يكن قد نضج بما يكفي في الضمير البشري، حينما كانت النهضة العربية لا تزال حركة متوثبة قبل أكثر من عشرة قرون، وأن دول الخلافة / الإمبراطورية في تاريخ الإسلام، عدا العثمانية، كانت سابقة على الدولة التنين كما صورها توماس هوبز، حاملة لمركز سيادة دنيوي، وتجسيداً لشمولية سياسية عاتية في آن، وإن ظل لدولة هوبز امتيازها الذي لا يمكن تقديره إلا بالقياس إلى الدولة الكهنوتية القروسطية.

وبالطبع يمكن الإدعاء بأن ثلة من القيم الأخلاقية المبثوثة في الشريعة، التي أعلتها دول الخلافة ولو نظرياً، كانت أرقى كثيراً من الصورة التي رسمها مكيافيللي لرجل الدولة في قلب عصر النهضة الأوروبية، تلك المفتقرة كلياً إلى الأخلاقية والمفعمة بانتهازية مطلقة.

هكذا وعبر نظرة نقدية مشبعة بالنزعة التاريخية يمكن إزالة شعورنا بالغربة عن تجربة الحداثة، ليس فقط على طريق امتلاكها بل التأثير فيها، فعبر قدر من التأويل الخلاق والتنظير الطموح يمكن العقل العربي الإسلامي أن يرفدها بقيم إيجابية، روحية وأخلاقية، لعلها تحتاج إليها للحد من غطرستها وتعاليها، وربما للحد من هيمنة النزعات التفكيكية على مصائرها، خصوصاً إذا ما قدمنا هذا الإسهام بطريقة تتجاوز الاستعلاء ولا تقع في أسر الجذرية، تبدي تواضعاً حقيقياً أمام تعقيدات الوضع الإنساني، فلا ندعي أن لدينا ما هو قادر على الحلول بديلاً كاملاً لما هو قائم، كما يذهب العقل السلفي، بل فقط ما يسد بعض الثغرات في البناء الشاهق لتلك التجربة التاريخية الكبيرة والعظيمة، ما قد يساهم في تجميد صراعاتنا العبثية معها، بل يجعل منا رافداً لإثرائها.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available