|   

النسخة: الورقية - دولي

قد يصعب على أصوليٍّ إيراني، بخاصة إذا كان ينتمي إلى الكهنوت الحاكم، التصديق أنّ إحدى دعائم السماء الكهنوتية الإيرانية وجود الشياطين على الأرض. لكن هذا هو الواقع والمخيال، في آن. إذ لا يمكن لنمطٍ كهنوتي أصولي، كالإيراني، القول إنه «الجمهوري الإسلامي»، بألف ولام العهد، من غير وجود جمهوريات شياطين تحكم خارج حدوده. قوة الشيطان تعني بوجه ما استطالةً في الحق الأصولي، تعني الاستدامة في طلب الطهارة، وإلا فمن غير هذا انتفت شرعية «الطلب على الأصول»، وانتفت حجة معاقبة الشياطين.

وعلى أية الحال، هذا المقال ليس عن الشياطين ولا عن الطهارة والطهرانية الأصولية منهم، بل للإشارة إلى ناحيتين: الأولى، أنّ الاستيقاظ الهائل الأصولي للإيرانيين في المشرق ضد «شياطينه» لم يكن له ليمر ويقوى من غير النجاح الأصولي الإيراني في إعادة ضبط لا البيت التاريخي الشيعي وخلق حاضنة سياسية شيعية له فحسب، بل أيضاً ضبط الثيولوجيا الإسلامية الأصولية بعمومها، وذلك على وقع إعادة قومسة مفردات الأعشاش التاريخية الأصولية وزرعها في بيئة تُمحى فيها حدود الدولة بالطائفة، لا الطائفة بالدولة، الثانية، وفي أنّ هذا الاستيقاظ يمثّل البؤرة والذروة التي تلتف حولها وضدها معظم الأصوليات الإسلامية، السنيّة منها والشيعية.

والحال، أنّ وصف مُرشد الجمهورية الإسلامية خامنئي، من عهد قريب، بأنّ أميركا تدعم اليوم «الإسلام الأموي المرواني» في المشرق، أو بالأحرى تروج له (انظر قناة العالم، 1 آب -أغسطس 2016: «آية الله خامنئي: الاتفاق النووي اثبت عدم جدوى المحادثات مع الأميركيين»)، لا يمثل ذروة الصفاقة الأصولية الإيرانية فحسب، بل أيضاً تذاكياً خامنئياً يمثل استمراراً في اللعب على سلوكيات ومفردات القواميس التي افتتحها الخميني، أي المعاودة في البحث الدائم عن شرعية لجمهورية غير شرعية لا من داخل حدود فارس، بل بالقفز خارجها: إنْ بإعادة أسطرة التاريخ وصراع قبائله بجعلهم جزءاً من الصراعات الحالية، أو من خلال أسطرة «العدو الأميركي»، شيطان الخميني الأكبر، وذلك من خلال وضع أميركا على قائمة داعمي «السلالة الأموية والمروانية»، وكأنّ انتماء هذا الشيطان ينحدر دموياً منها. حاجة إيران لهذا النمط من الشياطين، يعني حاجتها لطلب الشرعية منها، بأبلسة وتديين الصراع معها. وبالفعل، ينقل الكاتب سعيد أمير أرجمُند عن خامنئي نفسه، حينما كان غضاً يافعاً في أصوليته، بأنّ «شرعيّة الدستور لا تُستمد من عموم الشعب أو غالبيته، بل من ولاية الفقيه. إنّ ولاية الفقيه هي كـالرّوح في جسد النّظام». وإذا كان الأمر على هذه الدرجة من صراحة خامنئي، فإنّ عصب الجوزة الضيقة لهذه الولاية قائم على ثيمة الانتقام الإلهي المفتوح من الشياطين المشرقية وداعمة السلالات الأموية: أميركا.

سقوط مثل هذه الولايات الدينية الإيرانية سيعني بالتالي البداية في حلّ العقد الأصولية في المشرق. وإلا أمامنا هذا الاستمرار في استلام إيران بجمهورييها الأصوليين «سدة الثأر»: بحربها الإعلامية فقط ضد شيطانها التي تعشقه في واشنطن من جهة، والاستمرار في الانتقام الأصولي الدموي من معظم شعوب المشرق، من جهة أخرى، طالما أنها هي الأخرى بأصولييها السنّة تشترك بنيوياً في معارك القبائل والسماء. ربما يعتبر هذا جزءاً من جواب عن: لماذا معظم الميلشيات الإيرانية في سورية والعراق حينما تفتح جهادها في الإرهاب تُذكّر بأنّ هذا الجهاد ما هو إلا استمرار للمعارك بين «أنصار يزيد» و «أنصار الحسين» (المالكي كان بارعاً في هذا). بالطبع، هذا يعني دوامة الأصولية والإرهاب في المشرق، والتي ستبقى مشرعة يقودها مجانين إيران وأصوليوهم.

وهذا بالفعل ما افتتحته العصائب الأصولية حينما اغتصبت الثورة الإيرانية، الأمر الذي فتح سدة الباب العالي على مصراعيه في المشرق بتغذية ميليشيات أصولية تنتمي إلى الأصوليات السنية الضدية (الإخوان المسلمون السوريون مثلاً)، سواء بالسعي الحثيث لخلق مثال يحاكي شكلياً جمهورية الإسلام الإيرانية، أو بإنشاء كيانات تقف على أرضية مؤسطرة ضدية، قامت هي الأخرى ألف مرة بأسطرة العدو التاريخي الشيعي وإعادة ضبطه بمفردات قاموس النواصب والروافض. لقد كان، وما زال، القرار الإيراني الأصولي بتطبيق مثال جمهوريته خارج فارس، والذي يتجسد اليوم بقمة دموية في بعض البلدان العربية، يمثّل الشرارة الأصولية الكبرى التي حقنت أصوليات المشرق، المتأصلة أصلاً، وخلقت أخرى (حزب الله على رأسها) تكون بمثابة ذيول لرأس الأفعى الطَّهراني.

إيران بكونها تمثل رأس الأفعى الأصولية في المشرق، لا يعني على الإطلاق التقليل من شأن الأفاعي الأصولية الأخرى، والتي تستطيل من جهتها برؤوسها وأذيالها في الإرهاب، بمقدار ما يعني أنه مع كهنة إيران واستيقاظهم، بل مع مأسسة الأصولية الشيعية بمؤسسات دولة، قُدم العون لاستيقاظ الضديات السنيّة الأخرى، وإلباس أصوليتها عباءة الاقتتالات الطائفية. رأس الأفعى هذا هو من يقود دفة صراع الأسد الابن في سورية ضد «الأمويين» (إذا ما استعرنا قاموس خامنئي) وهو من يقود أصوليي الميليشيات العراقية واليمنية، وبنفس الوقت يمثل العامل الأهم في تغذية شياطينها التي من المفترض أنها تسعى لـ «التطهر» منهم. والحال، أنّ الضديات الأصولية السنية، على الضد الإيراني، التي بلغت اليوم درجة كبرى من الهيجان الإرهابي، تعتاش كذلك على ما تصفه بعدوها التاريخي الإيراني، أأخذت هذه العداوة شكلاً قومياً أم طائفياً.

السعي الإيراني خلف ميوعة الدولة بالطائفة، أي امحاء حدود الجغرافية الفارسية بـ «لاحدودية» الطائفة الشيعية، لم يكن ليعني فقط التوغل الإيراني في كل بقعة مشرقية فيها شيعة أم مقام إمام، بل عنى كذلك وحقن مربعاً أصولياً إسلامياً سنياً، كانت خلافة البغدادي آخر نسخه، وربما لاحقاً من سيأتي من خلفاء سلالة البغدادي. إنّ سؤال أين تبدأ حدود إيران وأين تنتهي، لهو سؤال لا يُجاب عنه، بالفعل، سوى بتحليل إلى أين وصلت درجة ذوبان الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالطائفة الشيعية، وإلى أين وصل «المستوى الأموي»، العدو الأول للخامنئي، في الحوادث السورية الجارية اليوم، وإلى أين وصل التوغل الإيراني في أسطرة حروب سورية اليوم بمسطرة حروب يزيد والحسين.

لا يخفى أنها أسئلة يشترك في أجوبتها كهنة رأس الأفعى: كهنة طهران.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available