|   

النسخة: الورقية - دولي

مَن يود الكتابة للطفل عليه أن يكون بعقل طفل وقلبه وروحه. عليه أن يسأل نفسه: ماذا أكتب؟ فليست كل المواضيع مناسبة لأن يحويها أدب الأطفال. ولمن أكتب؟ وما هي السن المناسبة التي أتوجه إليها بموضوع معين؟ فكل سن لها قاموسها الخاص الذي يختلف من مرحلة إلى أخرى. ويأتي السؤال الثالث: كيف أكتب؟ ويُقصد به الوعاء الذي يضع فيه الكاتب الموضوع، القصة، المسرحية، السيناريو، الرواية. وأخيراً: لماذا أكتب؟ وهو السؤال الأخلاقي للكاتب نفسه، وعليه أن يجيب بصدق، فإذا كان يكتب من أجل شهرة، فالطفل لا يقرأ اسم المؤلف، وإذا كان يكتب من أجل المال، فمؤلف الطفل يأخذ نصف أجر.

لهذا كان الوقوف عند تجربة الكاتبة المصرية عفاف طباله (1941)، صاحبة الإبداعات المحترمة للطفل، ومنها «عود السنابل، البيت والنخلة، العين، تراب السكة، السمكة الفضية».

طباله من هؤلاء الذين يعيشون بعقل طفل وقلبه وروحه حين تكتب، وهي إضافة مهمة لحركة الكتابة للطفل المصري والعربي، ليس لأنها فازت بجوائز عربية مهمة، منها جائزة الشيخ زايد لكتاب الطفل، بل لأنها تقدم كتابة مختلفة يجب الوقوف عندها وتأملها. هي كتابة تتسم بالإشباع لقارئها الطفل أو الشاب الصغير أو الكبير الذي لو طاوعَه عقله وبدأ القراءة سيخرج حتماً بما يرضيه ويسعده.

من الأعمال المهمة التي صدرت لطباله «السمكة الفضية»، وهي قصة برسوم الفنان عدلي رزق الله، صدرت عن دار «نهضة مصر». وتجيد الكاتبة اقتناص قصة لها من السحر والغرابة ما تشد به الطفل وتأخذه من البداية إلى النهاية من دون ملل أو نفور، فقد وضعت يدها على حكاية سمكة عجيبة يتغير لونها مع تغيّر ألوان قوس قزح قبل الغروب، بخاصة حين تخرج من البحر لتستمع إلى غناء الصياد «العم عثمان»، صاحب الصوت الشجيّ الذي تعشقه. وحين يصطادها، ترجوه أن يتركها مقابل أن تفكر في طريقة أخرى تساعده بها، فيشترط عليها أن تأتي كل يوم لكي يراها.

يلقى الاثنان سخرية البشر والسمك، فكل جماعة تسخر من فعل المنتمي إليها، والغريب أن السمكة الفضية تقرر أن تعود إلى الصياد، وأن تنفذ الشرط فتقول له: «أهذا فقط هو شرطك؟ سأعمل لك عرضاً كاملاً، فأنا ماهرة جداً في هذه المسألة». يتقبل الصياد استعدادها لتقديم عرض يسعد الأطفال والكبار، ويذهب إلى السوق ليدعو الأطفال لمشاهدة العرض عصر كل يوم، مقابل قرش واحد. ويبدأ الناس السخرية من الصياد «العم عثمان» الذي لم يهتم بكلامهم مؤكداً أنهم سيصدقون ما قاله لهم في الغد. استطاعت الكاتبة أن تبني تلك الثقة بين السمكة والصياد وفي يقين القارئ الطفل لأسباب عدة، منها أن الفن كان سبباً للقائهما، فالسمكة الفضية كانت تخرج لسماع الصياد الشجي الصوت كل يوم، وهو كان سعيداً بعروضها. والجميل أن تلك الثقة لم تكن نهائية، وإلا لترك الطفل الحكاية لو عرف نهايتها، فكان هناك شيء ما يحتاج إلى تأكيد، خصوصاً حين بدأ الأولاد يسألون عن السمكة الفضية، فطلب منهم الصياد الصبر حتى تميل الشمس، وبعدها خرجت السمكة لتؤدي عروضها للأطفال الذين كانوا ينتظرون طلتها، على أحرّ من الجمر.

وأحسنت الكاتبة ختام القصة حين تركت قلقاً كبيراً وسؤالاً من «العم عثمان» يجعل الأطفال خائفين دائماً على السمكة في المستقبل، وهذا سوف يربطهم بالقصة ويعيدهم إليها مرات ومرات، فقد كان يدعو الله أن تمتلئ شباك الصيادين وشبكته بالأسماك. الآن سيدعو الله أن تبتعد شباك الصيادين عن السمكة الفضية. ورغم أن قصص الأطفال تفضل النهايات المريحة للطفل، فإن تلك النهاية جاءت جيدة جداً لأنها تصب في مصلحة العلاقة الوثيقة التي استطاعت الكاتبة أن تبنيها بين الصياد والسمكة الفضية، فقد أنتج الصدق صدقاً من جانب الشخصيتين، وسيدعّم ذلك في نفوس الأطفال بالطبع. والأمر فى النهاية لا يهدف إلا إلى المتعة التي ينشدها الطفل والرسالة التي سيخرج بها من القراءة. وليس المقصود أن نتوقف مثلاً عن مهنة الصيد، ولكن تقصد قصة «السمكة الفضية» دعم الصدق والحفاظ على الوعد ومعرفة بعض المعلومات المفيدة التي تخدم أبناءنا، والاطّلاع على الصورة البصرية الممتعة التي شكَّلها الفنان الراحل عدلي رزق الله والتي تشغل أكثر من 50 في المئة من مساحة الكتاب.

 

 (كاتب متخصّص في مسرح وأدب الأطفال)

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available