|   

النسخة: الورقية - دولي

أعلن الأسرى الفلسطينيون في سجون إسرائيل إضراباً مفتوحاً عن الطعام، يبدأ غداً، وهو يوم الأسير الفلسطيني، وأعلنوا أن المعتقلين من كل الاتجاهات السياسية (فتح، الجبهتين الشعبية والديموقراطية، حماس والجهاد الإسلامي...) سيشاركون في الإضراب، وأنهم قاموا بتنظيم لجانهم في مختلف السجون (الجلمة، هداريم الخ...) على أساس توفير شروط استمراريته ونجاحه. ودعت المنظمات المعنية بأوضاع الأسرى وبحقوق الإنسان إلى مواقف تضامنية معهم في يوم بدئهم إضرابهم هذا، والذي يتمحور حول مطالب محددة، تتعلق بالعزل في الانفرادي، وبالاعتقال الإداري، وبنظام زيارات الأهل وبالعناية الصحية.

مسألة الأسرى مركزية في فلسطين، تخص كل بيت وعائلة. فلا يوجد من لم يمر بهذه التجربة ولا يُعرف منزل ليس فيه أسير حالي أو سابق. وهي على ذلك تخترق الانتماءات السياسية وتتجاوزها، ما يجعلها موضع إجماع نادر التحقق حول سواها. لذا اجتمعت المنظمات المعنية بالأسرى كلها لتدعو في بيان مشترك لها إلى متابعة الإضراب والتضامن معه.

والأسرى اليوم يبلغ عددهم 6500 أسير، منهم 62 امرأة، 14 منهن قاصرات، و300 طفل وفق تعريف القانون الدولي لهم (دون الـ16 من العمر). وبينهم 536 معتقلاً إدارياً و24 صحافياً و12 عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني، ستة منهم معتقلون إداريون. وقد تعرض للاعتقال في فترات متفاوتة عدد كبير من أعضاء هذا المجلس، كما عرف الاعتقال ثلث أعضائه دفعة واحدة بعد انتخابات 2006 التي خرجت منها حركة حماس حائزة على الغالبية. وفي آذار (مارس) الفائت وحده، اعتقلت إسرائيل 509 فلسطينيين بينهم 13 امرأة وفتاتان قاصرتان و5 صحافيين.

ويشارك في الإضراب القيادي الفلسطيني وعضو اللجنة المركزية، مروان البرغوثي، المعتقل منذ 2004 والمحكوم بمؤبدين. وهو سيمثل أسرى فتح في أي مفاوضات مع السلطات الإسرائيلية. وكان آخر إضراب من هذه الطبيعة قد جرى في 2014 ونفذه المعتقلون الإداريون وقتها، وهو تلا الإضراب الشهير في 2012 (الذي سمي «الأمعاء الخاوية») والذي شارك فيه نحو ألفي أسير وانتهى باتفاق مع السلطات الإسرائيلية على الحد من اللجوء إلى الاعتقال الإداري وقصره على ستة اشهر بلا تجديد وعلى حالات استثنائية، وهو الاتفاق الذي لم تنفذه إسرائيل أبداً. والاعتقال الإداري كناية عن توقيف بلا محاكمة، وهو قابل للتجديد كل ستة أشهر، ويمكن أن يستمر سنوات.

اليوم يركز المعتقلون على مسألة زيارات أهاليهم لهم، التي تعرقلها السلطات الإسرائيلية بذرائع شتى، فيما هي تجري أصلاً في ظروف شاقة. فهي تعاقب بعض المعتقلين بمنع الزيارات عنهم لمدد متفاوتة، وتحرم من كان قد سجن سابقًا من زيارة قريبه المعتقل، وتصنف بعض العائلات بوصفها غير مرغوب فيها لأسباب تتعلق بالانتماءات السياسية لبعض أفرادها، وتعرقل دخول الأطفال والأولاد إلى الزيارة، وتقصرها على 45 دقيقة بينما يكون الأهل قد قطعوا مسافات كبيرة واجتازوا حواجز عدة وتكلفوا كثيراً، وغالبا ما تتركهم ينتظرون ساعات في البرد والحر، كما تُباعِد بين الزيارات المسموحة في ما يُفترض بها أن تجري كل أسبوعين. ويطالب الأسرى كذلك بتوفير هاتف عام في السجن ليتمكن المعتقلون من الاتصال بعائلاتهم، بينما يحق للمساجين العاديين حيازة هواتف نقالة.

وأما في ما يتعلق بالرعاية الصحية، فيطالب الأسرى بإغلاق مستشفى سجن الرملة لسوء أوضاعه وخدماته، وهو المستشفى الذي غالباً ما يُنقل اليه السجناء الفلسطينيون عند حاجتهم لتلقي العلاج. كما يطالبون بتنظيم زيارات دورية للأطباء، وبسرعة إجراء الجراحات وتلبية الطارئ منها، وبالسماح للأطباء الأخصائيين بالدخول الى السجن، وبعدم تحميل الأسرى كلفة العلاج والاستشفاء. وهم يريدون مطابخ في كل عنبر، وإدارتها بأنفسهم تلافياً لسوء ما يقدم لهم من طعام، وبحصولهم على ملابس من أهاليهم.

وهذه المطالب ليست ترفاً ولا تلبيتها مِنّة من إسرائيل، بل هي تطابق البروتوكولات المقرة في القانون الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف الرابعة، وهي برعاية الأمم المتحدة وملزمة للدول الموقعة عليها.

وقد حدث في مرات سابقة أن وصل إضراب بعض الأسرى عن الطعام إلى حد يهدد حياتهم. وقامت السلطات الإسرائيلية حينها بتغذيتهم قسرياً بالأنابيب، فيما يكون الأسير مكبلاً بسلاسل الى سريره في المستشفى. ويعتبر ذلك انتهاكاً لحرمة جسده، ويعادل التعذيب.

وقد اشتهر إضراب الأسير المحرر خضر عدنان، الذي استمر 66 يوماً سجلت كرقم قياسي، وعلى أثره أطلق سراحه في نيسان (ابريل) 2012 مع تعهد بعدم اعتقاله مرة أخرى إدارياً، وهو ما كان حصل له سابقاً، ويتكرر حصوله مع الأسرى الذين يمضون حياتهم «مترددين على السجون». وبعده حطم ثائر حلاحلة وبلال ذياب هذا الرقم بإضرابهما لمدة 76 يوماً، متجاوزين بذلك ما سجله الأسير الإرلندي بوبي ساندرز عضو «الجيش الجمهوري الإرلندي» الذي استمر في إضرابه عن الطعام 74 يوماً.

ثائر حلاحلة، قال لزوجتة من خلف القضبان جملة صارت على كل لسان: «لا يمكنني أن أصف بالكلمات مدى حبي لكِ. أنا أفعل هذا في سبيل الله ومن أجل وطني، ومن أجلكِ ومن أجل ابنتي لمار. اعتني بها وبصحتك... وسامحيني».

ثم جاء دور الأسير سامر العيساوي الذي حطم مجدداً الرقم القياسي السابق باضرابه لـ... 240 يوماً! ولا يزال الصحافي الأسير محمد القيق يخوض إضرباً عن الطعام في سجون الاحتلال الإسرائيلي بعدما وجهت له تهم جديدة قبل أيام من الموعد المتفق عليه للإفراج عنه، وكان ذلك في منتصف نيسان الجاري إثر إضرابه عن الطعام لمدة 35 يوماً بسبب تجديد اعتقاله في مطلع 2017، بينما افرج عنه في 2015 إثر 94 يوماً من الإضراب عن الطعام! وهو بذا مثال معبر لحالة الاعتقال المتكرر. والقيق رأس مجلس طلاب جامعة بيرزيت في دورة 2006 ــ 2007 وكان نقابياً متميزاً.

الإضراب عن الطعام سلاح نضالي سلمي، اشتهر المهاتما غاندي باللجوء إليه في وجه الاستعمار البريطاني. ولكنه سلاح قديم جداً، وكان يمارس فردياً وخارج الإطار السياسي، للاحتجاج مثلاً على ظلم، أو أمام منزل متنفذ لمطالبته بتأدية دين عليه. يبقى أنه في الحالة الفلسطينية وسيلة سياسية بامتياز.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة