|   

النسخة: الورقية - دولي

«شقامي إسماعيل سمكو». بالكردية تعني الجملة: شارع إسماعيل سمكو. هذا هو ما حملته لافتة علقت، من دون سابق إنذار، في أحد شوارع محلة عين كاوا في أربيل، عاصمة إقليم كردستان في دولة العراق الفيديرالية.

أنا، وغيري من المطلعين على التاريخ الكردي، نعرف من هو إسماعيل سمكو. وغوغل، وأشقاؤه من أدوات البحث الإنترنتي، لن يعجز في تزويد من يريد بنبذة عن هذا الإنسان.

كان إسماعيل سمكو رئيساً لعشيرة شكاك الكردية في إيران، وهو قاد العديد من حركات التمرد والعصيان ضد الحكومات الإيرانية المتعاقبة في المناطق الكردية الواقعة شمال غربي إيران.

يبدو أن هذا بذاته يجعله، في نظر المشرفين على تدبير شؤون الكرد صاحب مأثرة يستحق بسببها أن يدون اسمه في سجل الأبطال. غير أن هذا السمكو اجترح أفعالاً أخرى، غير التمرد على الحكومة المركزية في إيران. لقد تصرف في شكل شنيع مع رجل آخر عاصره لدرجة أن سيرته تقترن، أكثر من أي شيء آخر، بسيرة هذا الرجل، الذي هو في الواقع كاهن مسيحي (سرياني أو كلداني أو آشوري): إنه المار بنيامين شمعون، بطريرك كنيسة المشرق للأشوريين في المناطق الآشورية في إيران.

المنطقة التي ينتمي إليها البطريرك هي نفسها التي كان سمكو ينتمي إليها. غير أن سمكو أراد فرض سلطانه عليها. كانت منطقة تضم خليطاً من الأكراد والآشوريين والسريان والكلدان. وفي تلك الفترة القلقة كانت العصبيات الدينية تتأجج على نار الصراعات بين دول كبرى كإيران وروسيا وبريطانيا. كانت الجماعات تنتقل من حضن إلى حضن وفق تقلبات الأهواء والمصالح. أراد سمكو أن يستفرد بالمنطقة ويستحوذ عليها خالصة لجماعته، ورأى أنه لن ينال من ذلك نصيباً ما لم يُزح الآخرين. دعا المار للالتقاء به والتناقش في تصريف شؤون المنطقة وتيسير أحوال الناس فيها. غير أنه عمد إلى اغتيال المار ومرافقيه والتمثيل بجثثهم ببشاعة بالغة.

رأى القدر، في ما بعد، أن ينتقم للمار الآشوري من قاتله الكردي بصنف القتل ذاته، أي الغدر: جرى استدعاء سمكو من قبل الحكومة الإيرانية للتفاوض، لكنه حين وصل إلى مشارف مكان اللقاء رأى أن الجنود أعدوا له ولمرافقيه مكمناً وانهالت عليهم النيران من سطح الحامية العسكرية وقتلوا جميعاً ثم علقت جثثهم على الأعمدة في البلدة.

كما نرى، لم يكن لسمكو أي إسهام، قومي أو ثقافي أو سياسي أو حضاري، في توفير الرفاه والرخاء للناس أو نشر التسامح والتآخي بين الجماعات الدينية والإثنية. إنه تصرف بالعكس وفتك برجل دين جاء للجلوس إليه تلبية لدعوته التي تبين أنها كانت لعبة رخيصة ولئيمة وغادرة وجبانة.

ما الذي دعا المشرفين على تنظيم شؤون عاصمة الإقليم الكردي في العراق الفيديرالي (أي ما يَفترض تعايش شعوب وأقوام معاً في بوتقة واحدة أو جنباً إلى جنب) إلى تسمية شارع باسمه، إذن؟

الحال أن الاحتفال الكردي بهذا القاتل ليس استثناء. فالكتب والمدونات التي تروي سيرة «أبطال» كرد من رجال لا يحمل سجلهم السلوكي على الفخر والاعتزاز تملأ الرفوف في البيوت والمدارس ومراكز التثقيف القومي الكردية. التاريخ الذي يحفظه ويتغنى به القوميون الكرد يدوّن، بفخر، أسماء «أبطال» تقطر من أيديهم دماء الأبرياء. كان هؤلاء رؤساء عشائر وزعماء قبائل وأمراء حرب متعطشين للقتل من أجل فرض سلطانهم. وفي الكثير من الحالات كانت العصبية الدينية والمذهبية سبيلهم لصنع ذلك السلطان. لم يتورعوا عن ارتكاب مجازر مهلكة بالمسيحيين والإيزيديين في أكثر من مكان. وعلى رغم أن الأكراد أنفسهم كانوا عرضة للذبح والبطش على يد الحكومتين العثمانية والفارسية، لم يتردد الأمراء الكرد، شبه المستقلين، في الزحف على الآمنين من الآشوريين والكلدان والأرمن والسريان والإيزيديين وسوقهم إلى حتفهم المرعب.

لو تصفح واحدنا كراسات التاريخ الكردي التي دونها القوميون الكرد سيجد أسماء كبدرخان ومير محمد كور ويزدان شير وسواهم، وصولاً إلى سمكو، تحتل مكانة بارزة منقوشة بآيات التبجيل والتقدير، بوصفهم أبطالاً قوميين، فيما هم كانوا قتلة سفاحين أهلكوا عشائر وقبائل معادية وجماعات مغايرة.

الأغاني والمرويات الكردية تذكر بعاطفة متأججة اسم الزعيم القبلي الكردي، في تركيا، موسى بك. تتردد سيرته محاطة بالبطولة والإقدام. من يقرأ كتاب «العرس الأسود لكليزار»، الذي ألفته أرمينوشي كيفوركيان باللغة الفرنسية سيرى أن هذا البطل لم يكن سوى قاطع طريق أغار على القرى الأرمينية في مناطق موش وخلات وأحرقها ودمر الكنائس واختطف كليزار وتزوجها عنوة. كليزار هي جدة الكاتبة.

إقليم كردستان ليس ملكية الكرد وحدهم. كان، في الأصل، موطن السريان والآشوريين الذين لم يتقلص حجم حضورهم ومدى وجودهم إلا لأنهم تعرضوا للمهالك والمجازر، في أورمية وسلماس ونوهدرا وأربيل وزاخو، هذا من دون أن نعرج على الدور المرعب للعشائر الكردية في الفتك بالأرمن في حملات الإبادة التي شنتها عليهم الدولة التركية في كل الولايات التي يشكل الكرد الآن غالبيتها. كانت قارص وموش وديار بكر وألازغ وأورفة نصيبين وطور عابدين ومناطق هكاري، وسواها، موطن الأرمن والسريان.

لماذا يعمد المشرفون على الإقليم، إذن، إلى تسمية شارع باسم قاتل لمكوّن أصلي وأساسي من مكونات الإقليم؟ وأين؟ في عين كاوا، حيث يسكن المسيحيون بالذات؟

أسماء كثيرة، مشرفة ومتألقة في عظمة إنجازها، يمكن أن تزين شوارع الإقليم. أسماء رجال، ونساء، من السريان والكلدان والآشوريين والإيزيديين، ممن كانت لهم مساهماتهم البارعة. كان الأولى بالمشرفين على الإقليم تسمية الشارع باسم المار شمعون لا باسم قاتله.

في هذا الشهر تمر ذكرى مجازر سيفو بحق السريان والأرمن والآشوريين والكلدان. تلك الإبادات الرهيبة التي ارتكبتها جحافل العساكر الترك، وهم اعتمدو في اقترافها، على العشائر الكردية التي تصرفت بهمجية مخيفة في ملاحقة الضحايا إلى حتفهم.

لعل الأكراد، أحزاباً وجماعات ومنظمات وكتاباً ومثقفين وأفراداً عاديين، ينتهزون الفرصة للتعبير عن حزنهم وألمهم والإفصاح عن ندمهم واعتذارهم لما ارتكبه أسلافهم. لعل القلوب والضمائر تصحو وتنظف قيعانها.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة